كيف نتعامل نفسيا مع موت أحبائنا؟

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


فضيلة

المشرف العام
طاقم الإدارة
11 مارس 2004
38,404
8,297
113
اسبانيا

كيف نتعامل نفسيا مع موت أحبائنا؟


والفرق بين الحزن والاكتئاب

فقدان عزيز هو من الأحداث شديدة الألم التي قد يختبرها المرءُ في حياته،
وقد يختبرها أكثر من مرة. يُغادرنا عزيزٌ فيترك في روحنا ندبة كبيرة. فكيف نجتاز فجيعة كهذه؟


دعنا نخبرك ابتداءً أنه لا إجابة صحيحة بالمُطلق لهذا السؤال.
وهنا، لا بد أن نُشير إلى اختلاف الحزن عن الاكتئاب، إذ يُميّز الباحثون بين أعراض الاكتئاب وأعراض الحزن الناجم عن الفقد
أو التعرّض لمصيبة الخسارة والموت، ومع هذا يتشارك الحزن والاكتئاب عددا لا بأس به من الخصائص كما يَظهر في الرسم أدناه.اجم عن ا

1.png

لماذا نمرّ بتجربة صعبة عند فقدان أحدهم؟ (مراحل الحزن الخمس)

الحزنُ تجربةٌ فريدةٌ من نوعها، لا حزن يُشبه الآخر، ولا تجربة فقدٍ تُماثل الأخرى.
قَضَتْ الباحثة والطبيبة النفسية "إليزابِيث كوبلر-روس" حياتها كلها تُدرِّس وتكتب عن الموت،
ما قبله وما بعده، تأثيره على المُحتضر وعلى من حوله، استخلصت من دراساتها نموذجا يُسمى "نموذج كوبلر روس"،
أو "مراحل الحزن الخمس"، سرَدتها تفصيلا فيما يُشبه الدليل لمُسايرة الحياة
بعد فقدان شخصٍ نُحبه بصحبة الطبيب النفسي "ديفيد كيسلر" الذي حذا حذوها في تخصصه.



يرسمان في كتابهما "On Grief and Grieving (عن الفجيعة والأسى)" إطارا عاما للمراحل الخمس بعد الفقد.
وهي لا تنطبقُ على الجميع بالمثل، ولا نمر بها بالترتيب نفسه، ولا في فترةٍ زمنيةٍ متشابهة،
فقد يجتازها البعض في شهرٍ واحد، وآخرون قد يستغرقون سنوات.
لكن، سيقودك فهم هذه المراحل باعتباره مرشدا تتلمسُ معه طريقا مظلما، سواء لك،
أو للتعامل مع قريب مرّ بهذه التجربة (وهذا الدليل يُقرأ من اليمين إلى اليسار).


2.png

 

فضيلة

المشرف العام
طاقم الإدارة
11 مارس 2004
38,404
8,297
113
اسبانيا
نكمل

الإنكار

وهنا لا نقصد الإنكار بمعناه الحرفيّ، بل هي حالةٌ رمزية. لن تنفي رحيل والدكَ،
بل يعني أنكَ تعود للمنزل ولا تُصدق فعلا أن أباكَ لن يعود من عمله كالمعتاد.
قد يكون رد فعلكَ بداية هو الصدمة المُغلفة بالشلل أو الخَدر، تُكرر مرة تلو المرة:
"لا أصدقُ أنه رحل، لا أصدق أنني لن آراه ثانية".



يؤكد الواقع الحدث بسلامكَ الأخير على عزيزكَ، أو حَملِ نعشه، أو المشي في جنازته،
أو حتى حضور عزائه. عندها تتأكد أن الراحل لن يعود هذه المرة.
قد تظن أنكَ لست في حالة إنكار لأنك أكملت شؤون العزاء بحس عملي،
وأيضا منطقيٌّ أن تظن أنكَ في حالة إنكار لأنك لا تصدق أنه حدثَ فعلا. كلا الموقفين صحيح ومتشابك.
عقلكَ يرفض معالجة الحدث الجديد، ويساعدكَ الإنكار دونَ وعيٍ في تسيير مشاعرك، يُقصيكَ عن الألم ويمنحكَ لحظاتٍ من: "لربما يعود".



في تلك المرحلة، يتجردُ كل شيءٍ من المعنى، وتكثر الأسئلة. كيف أواصل حياتي؟
وإن واصلتها، فلِمَ أفعل هذا أصلا؟ تحاول أن تعيشَ يوما بيوم، يساعدك الإنكار حينها على جعل النجاة ممكنة.



وحين يبدأ الإنكار في الانحسار، تبدأ طرح أسئلة الكيف والماذا. كيف حدث؟
أكان لِزاما أن يحدث؟ أكان يجب أن يحدث بهذه الطريقة؟ وفي هذا التوقيت؟ ما
الذي لو تغيَّر سيمنع موته؟ وشيئا فشيئا، تطرق حتمية الخسارة باب واقعك. تتقبل أنك لن تراه ولن تسمع صوته.
هكذا تبدأ رحلة التعافي دون أن تعرف. يتلاشى الإنكار، فتتسللُ كل المشاعر التي كبحتها على السطح.

الغضب

anger-1.jpg


في هذه المرحلة، يتجلى الغضب في أشكالٍ متنوعة، قد تغضب ممن رحل لأنه لم يهتم بنفسه كفاية،
تغضب من نفسكَ لأنك لم تَرْعَهُ كما يجب، تغضب من الأطباء لأنهم لم ينقذوا حياته، تغضب من عجزكَ عن إنقاذ حياته،
تغضب من أنك لم تتوقعه، تغضب من أنك لا تستحق ما حدث، تغضب من أنكَ مستمر في العيش في عالمٍ لم يَعد موجودا فيه،
قد تغضب لأنكَ أضعت وقتا فيما مضى كان بوسعكَ قضاؤه مع من فقدت،
قد تغضب من الميت نفسه، تعرف أنه لم يتمنَّ موته ولم يسعَ إليه، لكنك غاضبٌ من أنه غادركَ ورحل.
ليس الغضب بشعورٍ منطقي، ولا يجب أن يكون كذلك.



يصعد الغضب للسطح حين تعرف أنكَ نجوت من هول صدمة الخسارة،
تُذهلك فكرة أنكَ ما زلت حيا بعدما حدث، ولم يدهسك الحزن أو الألم، ولم يبتلعكَ الفراغ الذي خلَّفه مَن رحل.
لا يأتي الغضب منفردا، بل معه حزنٌ كثيف، وهلعٌ وألم، وتشعر بالوحدة كما لم تشعر بها من قبل.
لكنَّ مرحلةَ الغضب مرحلةٌ مهمةٌ وأساسية في رحلة التعافي، كلما شعرت به أكثر، يبدأ في التخفيف من حضوره.




ليس للغضب أي حدود، قد يمتد وقتا طويلا، ويصل لأماكن نخاف أن نُعبِّر عنها،
كأن نغضب من القَدَر ذاته، من أن الله اختارنا تحديدا، الطيبين العطوفين،
الأب المُحبّ والشقيق الألطف والأذكى، نغضب أن القدر لم يتغير رغم دعائنا وتوسلنا،
رغم أن الراحل كان يُحافظ على صحته ويتجنب كل ما هو مضر، نغضب لأن القدر، أو الله،
استدعى من نُحب في ريعان شبابه، وهو لم يعش حتى نصف حياته،
بل قد يغضب المرء لظنه أنه ارتكب ذنبا جللا وكان عقابه هو رحيل أحبابه.



أما أسفل الغضب؛ يقبع الألم الذي يبدأ بإفساد عالمك؛ فتغضب من عائلتك،
وتصب جام غضبك على من حولك؛ الذين سيتفاجؤون بدورهم لأنك عُدتَ لحياتك الطبيعية ولم يتوقع أحدهم انفجارا كهذا.
هكذا تتغير هيكلية غضبك، لكنَّه يصبح جسرَ تواصلك مع الناس. شيءٌ تتعلق به،
أن تشعر بشيءٍ تجاه شخصٍ ما أفضل من أن تشعر باللاشيء، بخواءٍ يُشعركَ أن العالم على وشك الانهيار،
وربما تشعرُ كأنكَ غرقت في كل هذا الألم وأنك لن تخرج منه أبدا. لكنه ليس صحيحا،
إذ ينزاح الغضب جانبا بالتدريج، وتتغير مشاعر خسارتك.
يتبع

 

فضيلة

المشرف العام
طاقم الإدارة
11 مارس 2004
38,404
8,297
113
اسبانيا

المساومة

pexels-meruyert-gonullu-6908083.jpg


كما ذكرنا سابقا، فإن المراحل الخمس لا تحدث بشكلٍ خطي، فهي ليست سُلَّما تصعده وتصل لقمته،
بل هي أشبه بالحُفر، تقفز من الأولى للثالثة، ثم من الخامسة للرابعة،
ثم تعود للأولى، هذه عمليةٌ "طبيعية" فريدةٌ تختلف من شخصٍ لآخر.



في حالة المساومة، أنت لستَ أمام "مرحلة" تماما،
بل هي آلية تساعدك للتخفيف من وطأة مشاعرك مقابل تقديم شيئ مقابل آخر.
ربما قبل الخسارة، عندما يصيب أحد أحبائكَ حادث أو مرض، تُفكر على الفور أنك ستفعل أي شيء لتمر الغُمَّة بسلام.
لكن حين تقع الخسارة، سواء كانت متوقعة أو مفاجئة، فإن المساومة تأخذ شكل هدنة في مقابل ألا تحزن.
"سأتطوع لمساعدة الفقراء كل شهر، سأصلي الفروض في مواعيدها وأضيف عليها السنن،
لعلَّ كل هذا يصبح حلما أو لعلَّ أمي تكون راضية عليَّ في قبرها".



تُرافق المساومة أحيانا شعورا بالذنب وأسئلة "ماذا لو" لا تنتهي: ماذا لو اتصلنا بالطبيب مبكرا؟
ماذا لو كنت ذهبت بها إلى مشفى أفضل؟ ربما تجد أنكَ أسأت في تصرفٍ بعينه، أو لو أن حدثا اختلف،
لما كانت الأمور لتؤول لهذه النهاية. في هذه المرحلة، نعيش أكثر وقتنا في الماضي،
نفاوض الظروف بطريقةٍ نتجنب معها الألم الذي نشعر به.
لكن إجابات الأسئلة ستؤدي إلى النتيجة ذاتها: من نحبه سيظل ميتا إلى الأبد.


pexels-meruyert-gonullu-6908153.jpg
بعد الموت، قد تنتقل المساومة


من الماضي للمستقبل. تتجلى في أوضح صورة في الإيمان بأننا سنرى أحباءنا في الجنة،
أو الدعاء بألَّا تتكرر المأساة في العائلة.
أحيانا تساعدنا المساومة على الانتقال من حالة الخسارة إلى حالةٍ مُغايرة،
كأنها محطة استراحة تمنحنا وقتا ومساحة للتأقلم. قد تملأ المساومة الفجوات التي تُسيطر عليها مشاعرنا القوية،
فتُبقي المعاناة الشديدة بعيدة حتى نُطيق احتمالها، فنتخلى عن المساومة،
وندخل بأنفسنا في مرحلة اكتئابٍ "عادي" بل ومقبول. تساعدنا في الإيمان بقدرتنا على فرض نظامٍ
ما على الفوضى التي حدثت إثر رحيل من نحب. تتغير المساومة مثل باقي المراحل،
ربما نبدأ بالتوسل والمساومة لإنقاذ حياته، ثم نساوم بأن نموت بدلا منه.



بعد الموت، قد تنتقل المساومة من الماضي للمستقبل. تتجلى في الإيمان بأننا سنرى أحباءنا في الجنة،
أو الدعاء بألَّا تتكرر المأساة في العائلة، والشعور بأن فقدا واحدا يكفي،
إن ماتَ طفلٌ مثلا، يساوم أمه وأبوه بالحرص على أن يعيش باقي أطفالهم في بيئةٍ آمنةٍ وحنونة،
ويساعد هذا التعويض من تخفيف وطأة المأساة.

يتبع
 

فضيلة

المشرف العام
طاقم الإدارة
11 مارس 2004
38,404
8,297
113
اسبانيا

الاكتئاب

SS1382832149.jpg
رغم صعوبة احتمال الاكتئاب فإنه

يساعد وقت الفجيعة، يُبطّء من وقع الحياة من حولنا، ويدعو الخسارة كلها لنستوعبها.
حين نعودُ للواقع، تُقدِّم المشاعر الخاوية نفسها وتكون الأكثر حضورا،
مرحلة الاكتئاب هذه تُشعرنا أنها ستبقى معنا طيلة الوقت.
يجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الاكتئاب ليس دليلا أو علامة على عِلةٍ نفسية، بل هو "الاستجابة الطبيعية" لخسارتنا الفادحة.



ننسحب من الحياة، نتساءل عن الهدف والمغزى ما دام أحباؤنا يرحلون فجأة ويتركوننا وحدنا في هذا الضباب المخيف.
يأتي الصباح، ويحلُّ الليل، وربما تنعدم رغبتك في النهوض من السرير والقيام بأبسط مهامكَ اليومية.
تشعر بثقل، كأنكَ مربوط من ساقكَ في حائطٍ خفيٍ تعجز عن جره معك.



حتى إن تمكنت من إنجاز روتينك اليومي، تُسائل عن مغزى كل شيء، ولا تجده.
ما الفرق بين أن تأكل أو تتضور جوعا؟
وما الذي سيتغير إن فرشت أسنانك واغتسلت؟
ومن حولكَ يقلقون عليك ويريدون إدخال السعادة على قلبك وانتشالك من اكتئابك. ما غرض كل هذا الحزن؟
رغم صعوبة احتمال الاكتئاب فإنه يساعد وقت الفجيعة، يُبطّء من وقع الحياة من حولنا،
ويدعو الخسارة كلها لنستوعبها، يجعلنا نُعيد بناء أنفسنا من البداية كأنه يُنظف المكان،
ويأخذنا لمكانٍ أعمق في أرواحنا لن نتمكن من استكشافه في الظروف العادية.

التَقبُّل

pexels-cottonbro-6275782-1.jpg
يأخذ التعافي شكل التذكُّر،

استرجاع ما حدث ومضغه دون كلل، ربما ندرك الأسباب المنطقية خلف خسارتنا، حتى وإن عجزنا عن استيعابها.
يُفهم التقبُّل خطأً على أنه العودة لكل شيء كما في السابق،
بما في ذلك مشاعركَ وحياتكَ، لكن هذا ليس صحيحا، لن تعود الحياة لسابق عهدها،
في المطلق.
هذه المرحلة هي مرحلة تَقبُّل حقيقة الرحيل الأبدي والتفاهم معها.
لن نعثر على بديل، ولن يملأ مكانه أحد. لن تُعجبنا هذه الحقيقة، لكننا نقبلها في نهاية المطاف،
إنه العاديُّ الجديد الذي نتعلم العيش معه. هنا نصل إلى مرحلةٍ متقدمةٍ في التعافي والتأقلم، رغم أنها قد تبدو حالة يستحيل بلوغها.



يأخذ التعافي شكل التذكُّر، استرجاع ما حدث دون كلل. ربما ينتهي غضبنا من قَدرنا ونصيبنا،
ربما ندرك الأسباب المنطقية خلف خسارتنا، حتى وإن عجزنا عن استيعابها. نبدأ في قبول أن الأمر ليس شخصيا،
وأن وقتَ فقيدنا قد كُتِبَ له أن ينتهي. نتعلم في هذه المرحلة العيش في عالمٍ لا يشمل من نحب،
وندرك أنه لا يُمكننا العيش بالطريقة نفسها، وأن العالم تغيَّر.




خلال هذه الرحلة، يقربنا التعافي، على نحوٍ غريب،
من الشخص الذي نحب، نتعلم العيش مع ذكراه واحترامها.

التقبُّل هو عمليةٌ نختبرها، وليست مرحلة أخيرة لها خط نهاية.
قد نشعر خلالها أحيانا بعد قضاء يومٍ ممتع أننا غَدَرنا بالفقيد،
خُنَّاه بسعادتنا، لكننا نعجز عن استرجاع من نحب أو إنقاذه، لكن في وسعنا خلق صلاتٍ وعلاقاتٍ جديدة.
نبدأ من جديد، لكن ليس في وسعنا فعل ذلك إلا حين ندع للحزن مجالا وفسحة ليأخذ وقته.

ماذا أفعلُ لأخفف عن نفسي خلال هذه المراحل؟

%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA-death11.jpg
في السنة الأولى بعد الخسارة،

يكون الحزن عميقا وكثيفا ويغطي كل شيء، بعدها سيبدو أن حال حزنك يتغير، ربما تشعر بأنه يتقلص.
  • أولا: ليس للحزن فترة صلاحية
يقول "ديفيد كيسلر" أنه يُجيب عن سؤال الناس حول إلى متى سيَستمر حزنهم بسؤالٍ آخر:
"إلى متى سيظل ميتا؟ هذه هي مدة حزنك". لا يقصد أننا سنتألم للأبد،
لكن لن ننسى من فقدنا أبدا، لن نتمكن من ملء الحفرة الفريدة التي تركها الراحل في قلوبنا.




هناك أشخاصٌ يؤمنون بأسطورة الحزن لعامٍ واحد، وهي أسطورةٌ شائعةٌ وخاطئة.
في السنة الأولى بعد الخسارة، يكون الحزن عميقا وكثيفا ويغطي كل شيء،
بعدها سيبدو أن حال حزنك يتغير، ربما تشعر بأنه يتقلص، ومن ثم يحدث شيءٌ ما يعيده إلى قوته الأولى،
ثم يمر الوقت، وتتكرر الحلقة، ينكمش ويخبو لكنه سيظل دائما موجودا. لذا،
من المهم إدراك هذه الحقيقة ورفض أي تسخيفٍ لها من نفسكَ أو من محيطك.


  • ثانيا: الاكتئاب ضيفٌ ثقيل عليكَ إكرامه
الاكتئاب بعد الخسارة ليس حالة شاذة، وهو شعورٌ له خصوصيته،
ليس حالة تحتاج للتقويم أو للهرب منها. السؤال الذي يجب أن تطرحه على نفسك
هو إن كان ما تمر به حاليا فعلا يَبعث على الحزن والكآبة؟
في الموت تكون الإجابة حتما "نعم"، لذا فإن الاكتئاب رد فعلٍ طبيعي، ألَّا تمر به هو الغريب أو غير المعتاد.



ينغلق جهازنا العصبي على ذاته لنتمكن من التكيف والتأقلم مع شيءٍ يفوق احتمالنا.
وربما حين تعي أنك مكتئب، أو حين يخبركَ عددٌ من أصدقائك أن ما تمر هو اكتئاب واضح،
قد يكون رد فعلك الأول هو رغبتك في العثور على منفذٍ منه. إن كان الحزن في حد ذاته هو عملية تدريجية للتعافي،
فإن الاكتئاب هو إحدى الخطوات المهمة في طريقه،
الخروج منها إجبارا يُشبه دفن فيلٍ أسفل السجادة والتظاهر بأنه ليس موجودا.

يتبع
 

فضيلة

المشرف العام
طاقم الإدارة
11 مارس 2004
38,404
8,297
113
اسبانيا
  • ثالثا: اِبكِ كما شئت
SS603256955.jpg


الدموع هي إحدى وسائل التعبير عن مشاعرنا، وإحدى ميكانيزمات التعافي.
أحيانا نسعى بإرادتنا أن نُعطِّل هذه العملية، فنكبحها تجلُّدا منا.
تُشير الأبحاث إلى أن الدموع ليست كلها سواء، بل إن لكل حالةٍ شعورية دموعا فريدة من نوعها
تُطلق معها أنواعا مختلفة من السموم التي يحتاج الجسد إلى أن يتخلص منها،
فتختلف دموع الحزن عن دموع الندم، عن دموع تقطيع البصل.




يرتبطُ اختيارنا للبكاء وسيلة للتعبير بطريقة نشأتنا، قد نرتاحُ في البكاء داخل غرفٍ مغلقة،
أو قد لا نجد غضاضة في البكاء أمام الملأ. لكن أيا كانت الطريقة التي جُبلنا عليها،
فخسارة شخصٍ نحبه قد تكسر معاييرنا ونُفاجأ بقدرتنا على البكاء.
يكون البكاء هنا تحديدا وسيلة لإطلاق مشاعر نعجز عن صياغتها في كلمات،
وثقيلة للغاية على أن نكبحها ونحملها معنا في كل مكان طوال حياتنا.

قد يُداهمكَ البكاء دون سابق إنذار بعد مرور وقتٍ على خسارتك، تظن فيه أنكَ تعافيت.
ربما تُصوَّر الدموع على أنها دراميةٌ أو عاطفية، لكنها في الحقيقة تعبيرٌ عن فداحة الخسارة.


  • رابعا: عبِّر بطرقٍ إبداعية عملية
%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D9%86-1.jpeg


ربما لستَ ممن يحبذون الإفراط في الحديث عن مشاعرهم، ولست معتادا على البكاء،
كل هذا لا يعني أنه ما مِن طريقةٍ أخرى للتعبير، اُكتب لمن فقدت رسائل تعبِّر فيها عمَّا تشعر به،
تُخبره فيها بالأشياء التي لم يخطر ببالكَ قولها في حياته، سيساعدكَ هذا على معالجة حزنكِ واستيعابه.

صمِّم ألبوما أو سِجلا تَذكاريا للمُتوفَّى تَجمعُ فيه صورا من حياته وأصدقائه والأشياء التي يُحب فِعلها وقولها،
ربما تُضيف إليه بعضا من مواقفه الطريفة التي مرَّ بها،
أو أكثر ما يُميزه، سيخلق هذا علاقة فريدة من منطلقٍ جديد بمن رحل.



في حالة -مثلا- وفاة صديقكَ متأثرا بمرضٍ عضال كالسرطان،
فربما يُساعدكَ في رحلة التعافي أن تنضم إلى منظمةٍ تنشر التوعية عنه، أو تُساعد المصابين في التخفيف عنهم.
حتى إن لم يرحل من تحب بسبب مرضٍ ما، فيُمكن أن تتطوعَ أو تنخرط في قضيةٍ أو مؤسسة كانت ذات أهمية لمن رحل.

أدوات ستُساعدك

  • نموذج:
%D9%8A.png


يقترح الأخصائي النفسي والبروفيسور في علم النفس "ج. وليام ووردن" في نموذجه للحزن والفقد
أنّنا حين نتعرّض للحزن الناجم عن الفقد والخسارة والموت، فإنّ لدينا "مهام" يجب الاشتغال عليها،
وأن نضعها نصب أعيننا طوال الوقت، وهي بسيطة ومباشرة، ويجب أن نذكّر أنفسنا بها طوال فترة الحزن،
وعبر الالتزام بها وتذكير أنفسنا بها فإنّنا نسير في طريق التعافي والشفاء، وهي كالآتي:
  1. قبول حقيقة الخسارة.
  2. المعاناة من آلام الخسارة.
  3. التكيف مع حياة جديدة بدون الشخص المفقود.
  4. إعادة الاستثمار في الواقع الجديد.

وسيلة



التحدث مع طبيب نفسي يُساعدك على فهم ما تمر به، والتحدث دون خوف من إلقاء الأحكام على مشاعرك.
في حالة عدم توافر أطباء نفسيين في منطقتك أو عدم رغبتك في الخروج، فإن تطبيق ومنصة "شيزلونج"
يوفر لكَ جلساتٍ مع مختصين محترفين بشكل يضمن خصوصيتك وراحتك.
يوفر الموقع كذلك بطاقاتٍ لتُهادي بها شخصا قد ترى أن التحدث مع مختص سيساعد حالته.



هذه المذكرات ليست إرشاداتٍ للتعامل مع فجيعة الموت،
بل تجربة ذاتية لصحفية بارزة أطَّرت حدادها في كتاب. فقدت "جون ديديون" زوجها في نهاية عام 2003،
مر شهران ثم فقدت ابنتها التي أُدخلت المستشفى بحالة التهابٍ رئوي بسيط،
ثم توفيت بعد عامين قضت معظمها في المستشفيات. خلال عامٍ كامل تسرده هنا،
تحاول التطهر من الفجيعة بالغرق في كل تفصيلةٍ وشعور وإحصائيةٍ عن الموت والنوبات القلبية.
ربما نجد في السير الذاتية إنقاذا لأننا نعرف أننا لسنا وحدنا،
نرى في قصة ديديون مثالا بسيطا على تعاملها مع الصدمة برفضها التخلي عن حذاء زوجها لوقتٍ طويل
لاقتناعها بأنه سيعود ويحتاج إليه، وقد نجد في تجارب الآخرين وأحزانهم عزاء ومنارة لنا.
 

فضيلة

المشرف العام
طاقم الإدارة
11 مارس 2004
38,404
8,297
113
اسبانيا
المصادر:
  1. On Grief and Grieving, by Elisabeth Kübler-Ross, David Kessler, published by Scribner, 2005.
  2. Bereavement : studies of grief in adult life.—4th ed. / Colin Murray Parkes and Holly G. Prigerson. (2010)
  3. Cambridge Handbook of Psychology, Health and Medicine. Second edition, Susan Ayers et all.
  4. Grief vs. Depression: Which Is It? It’s important to sort out the differences – Verywell Mind
  5. The Five Stages of Grief :Learning about emotions after loss can help us heal – Verywell Mind