Home Up الكتب المنشورة مواقع هامة في المجال السيرة الذاتية منتدى الأعصاب والطب النفسي مواقع عربية ونفسية الأبحاث العلمية

  ف8- السواء والمرض

الفصل الثامن – البيولوجيا في السواء والمرض

  نود في نهاية هذا الكتاب أن نتعرض بشيء من التفصيل لأحد الموضوعات الهامة في علم النفس، وقريبة الصلة من موضوع البيولوجيا وهو موضوع الذكاء، والصورة الأخرى له والمتمثلة في التخلف العقلي. بالإضافة لذلك نرى ضرورة أن نتعرف على الجوانب البيولوجية للأمراض النفسية، لنتعرف على أثر كل من الوراثة والبيئة على حدوث هذه الأمراض. أما فيما يتعلق بالموضوع الأول فالحقيقة أن تناولنا له يرتكز على أمرين: الأول أن موضوع الذكاء من أكثر الموضوعات التي ثار الجدل بشأنها فيما يتعلق بمدى تأثير الوراثة (البيولوجيا) والبيئة عليه. والأمر الثاني أن الذكاء من أكثر المناطق التي ترتبط بالشخصية باعتباره مجموعة من القدرات التي تترك أثرها على الشخصية ككل. وبالنسبة للأمراض النفسية فإن تناولنا لها يأتي في إطار أنها علامة على اختلال التوازن سواء كان بيولوجياً أو نفسياً، ومن ثم ترتبط بدراسة البيولوجيا.

أولا: الذكاء

  يعد الذكاء من الموضوعات الهامة التي شغلت علماء النفس بعامة، والباحثين في القدرات العقلية بوجه خاص. وقد ثار الجدل حول هذا الموضوع ربما إلى الحد الذي لم تشغله موضوعات أخرى من موضوعات علم النفس بنفس الدرجة من الاهتمام. وقد أختلف العلماء حول ماهية الذكاء، وتوقفوا كثيراً عند قضية ما إذا كان موروثاً أم مكتسباً. بمعنى آخر تساءلوا عما إذا كان الإنسان يولد بقدر من الذكاء لا يمكن تجاوزه مهما تعرض للمثيرات البيئية، أم أن ظروف البيئة المناسبة والغنية بالمثيرات يمكنها أن تزيد من ذكاء الإنسان، وتزيد من تنمية قدراته العقلية؟.

   والواقع أن موضوع الذكاء موضوع متشابك الأبعاد، ومتعدد الجوانب، ولسنا بصدد دراسته كما لو كنا نقوم بدراسة أحد موضوعات علم النفس بالتفصيل. ولكن ما يهمنا في هذا السياق تناول أثر العوامل البيولوجية المختلفة على الذكاء. ومع ذلك فهناك ضرورة تجعلنا نقف ولو قليلاً حول ما تعنيه كلمة الذكاء، وكيفية قياسه.

 - تعريف الذكاء:-

  تُعد كلمة الذكاء مصطلحاً علمياً يختلف عن مدلول الكلمة في الحياة اليومية من قبيل أن يصف البعض فرداً ما بأنه ذكي، أو ينعتون آخر بأنه غبي. فما الذي نعنيه بكلمة الذكاء من الناحية العلمية؟.

   إن الإجابة على السؤال الذي طرحناه الآن أمر ليس بالبساطة التي يبدو عليها السؤال، لأن الذكاء من الموضوعات التي أختلف العلماء حولها على نطاق كبير. فمنهم من ينظر إليه من ناحية وظيفته، ومنهم من ينظر إليه من ناحية مكوناته. وقد وصل الأمر إلى الحد الذي بسّط فيه البعض تعريفه قائلاً بأن الذكاء هو ما تقيسه اختبارات الذكاء، وكأننا بذلك نعرف الشيء بنفسه، أو كما يقول الشاعر  (عرّف الماء بعد الجهد بالماء).

   وبداية يرجع الفضل إلى كل من جالتون وبينيه Binet في استخدام وتداول كلمة الذكاء، حيث حاول كل منهما أن يضع من الاختبارات ما يُمكنه من قياس هذه القدرة العامة. وسوف نستعرض على وجه السرعة أكثر تعريفات الذكاء انتشارا، بغرض الوقوف على ما تعنيه الكلمة، ومدى الاختلاف الذي نراه بين العلماء في هذا الصدد. ويُعرف بينيه الذكاء على أنه الميل إلى إتباع والاحتفاظ باتجاه عقلي محدد، والقدرة على إجراء تعديلات للوصول إلى هدف نهائي، مع القدرة على النقد الذاتي. فالذكاء عند يعني القدرة على الحكم السليم. وهذه القدرة تشتمل على أربع عناصر أساسية هي توجيه الفكر في اتجاه معين، والاستمرار في هذا الاتجاه، ثم الفهم والابتكار، وأخيراً نقد الأفكار ووزن قيمتها.

   أما شتيرن Stern  فيُعرف الذكاء على أنه " القدرة على تحقيق التكيف عقلياً لمشاكل الحياة وظروفها الجديدة. ويعرفه تيرمان Terman على أنه القدرة على التفكير المجرد. ويعرفه كوهلر Kohler على أنه القدرة على إدراك العلاقات. وأخيراً يعرفه وكسلر Wecksler على أنه القدرة الكلية على التفكير العاقل والمنطقي، والسلوك الهادف ذي التأثير الفعال في البيئة. وهذه القدرة العامة تتكون من قدرات مختلفة.

  وكما نرى فإن كل تعريف من التعريفات السابقة نظر إلى الذكاء من وجهة خاصة لا تجعلنا قادرين على وضع تعريف شامل ومانع لهذه الكلمة. ومع ذلك يتبين لنا أن تعريف الذكاء تعريفاً جامعاً يجب أن يتضمن أكثر من خاصية عقلية. فالذكاء يجمع مجموعة من الخصائص العقلية، والقدرات، والمهارات، وبعض جوانب السلوك التي تساعد الفرد على الاستفادة من الخبرة السابقة، والسيطرة على المشكلات التي تواجهه خلال تكيفاته اليومية لواقعه. وبشكل عام فإن الذكاء بمعناه العلمي يُشير إلى تكوين فرضي، أي أننا لا نلاحظ الذكاء بطريقة مباشرة، ولا نقيسه قياساً مباشراً، وإنما نستدل على آثاره ونتائجه، مثله في ذلك مثل الطاقة الكهربية أو المغناطيسية التي لا يمكن أن نراها بشكل مباشر، وإنما نتعرف عليها من خلال ما تتركه من آثار ونتائج.

 - نظريات الذكاء:-

  هناك مجموعة من النظريات التي تتعامل مع الذكاء وطبيعته يمكن إيجازها فيما يلي:-

          1- النظريات البيولوجية.

          2- النظريات البيئية.

          3- النظريات النمائية.

1- النظريات البيولوجية:-

    تنظر هذه النظريات إلى الذكاء باعتباره قدرة تقوم على أساس بيولوجي، فهي تراه قدرة عامة موروثة، تطورت مع تطور الفرد والنوع. وتُعرف هذه النظريات الذكاء على أنه القدرة على الاستفادة من الخبرة، ومواءمة العالم المحيط، والمرونة أو القدرة على التعلم. ومن أصحاب هذا الاتجاه دارون، ومورجان، وماكدوجال، وبينيه. وتعود فكرة غلبة العوامل الوراثية في تحديد الذكاء إلى سير فرانسيس جالتون الذي نشر عام 1869 كتابه المعنون "وراثة العبقرية" وأكد فيه أن القدرات العقلية متوارثة بين الأجيال، وأنها تبرز في أسر بعينها، وتسير داخل أجيال متعاقبة في هذه الأسر. (أنظر تفاصيل هذا الرأي في الفصل الرابع من هذا الكتاب).

   وتلي جالتون العديد من الباحثين الذين حاولوا تأكيد هذا الرأي، وأصبح الإنسان في رأي الحتميين البيولوجيين مجرد أسلوب من حمض (الدنا) وأن الجينات هي القوة الكامنة خلف العرش السلوكي. وبالتالي فإن الذكاء ما هو إلا مركب وراثي ضروري للبقاء، وأن البيئة تمد الإنسان بمجموعة من المتغيرات فحسب، وهذه المتغيرات تختار الجينات ما تراه مناسباً منها للتكيف مع البيئة التي توجد فيها هذه الجينات. وإلا فكيف لنا أن نفسر حالات متلازمة داون، والبول الفينايل كيتوني، وغيرها من الحالات التي تتسبب الوراثة في سمة الضعف العقلي الموجودة فيها.

   وقد سادت نظرية الذكاء الفطري (المحدد وراثياً) لسنوات طويلة، أكدت فيها أن 80-90% من الذكاء محدد وراثياً، الأمر الذي أدى إلى إساءة استخدام هذه النظرية لأغراض سياسية. فقد كان يُشار دائماً إلى أن السود أقل ذكاءً من البيض، ومن ثم أعلن تفوق الرجل الأبيض، مما دفع الدول الاستعمارية إلى استغلال منظور الوراثة هذا، وقامت باستغلال شعوب العالم الثالث، ونهب ثرواتها تحت دعوى أن هذه الشعوب لا تعرف كيف تستفيد من هذه الثروات، وأن الرجل الأبيض إنما جاء من أجل تنمية هذه الشعوب. بل إن هذه المسألة أتاحت داخل الدول الاستعمارية نفسها تبرير التفاوت الطبقي والاجتماعي والاقتصادي القائم بين أفراد مجتمعات هذه الدول. ووصل الأمر إلى دعوة هتلر الشهيرة بسيادة الجنس الآري على سائر الأجناس، وما تلي ذلك من نتائج الحروب.

   ومن أكثر القضايا التي أثيرت حول دور الوراثة في تحديد الذكاء الفضيحة العلمية الشهيرة التي نسبت إلى عالم النفس الإنجليزي - بل ومؤسس علم النفس البريطاني - الشهير سيريل بيرت C. Burt، والذي نشر مقالاته العديدة حول تأكيد هذا الدور. وقد وجهت له بعد وفاته (عام 1971) تهمة التزييف العلمي لكل ما توصل إليه من نتائج دراساته التي تشير إلى تأكيد دور الوراثة في الذكاء. فقد ظل بيرت يروّج لمدة عشرين عاماً لهذا التأثير الوراثي من خلال أكبر دراسة أُجريت على التوائم المتطابقة المنفصلة (55 زوجاً) وكانت معاملات الارتباط التي سجلها مرتفعة جداً. وأوضحت الدراسات أن ما كان يفعله بيرت يشير إلى أنه الوحيد الذي تمكن من أن يقيس كمياً تشابه ظروف البيئة التي نشأت فيها أزواج التوائم، مما جعله يشير إلى أنه لا توجد أدنى علاقة إرتباطية بأي حال من الأحوال بين ظروف بيئة التوائم المنفصلة. بل أنه أدعى أنه الوحيد الذي أجرى نفس اختبار معامل الذكاء على أفراد المجموعات التي تناولها حتى أعلى درجات سلم القرابة، وأشار إلى علاقات ترابط لم يسبق لأحد قط غيره تسجيلها.

   وحقيقة الأمر أن كل معطيات بيرت قام بتسجيلها ونشرها بأسلوب مفضوح ومثير للشك. فهو لا يعطي أي وصف لكيفية جمع معلوماته ومكانها ووقتها. كما تجاهل تماماً القواعد العلمية لكتابة تقاريره عن هذه الأبحاث، بل إنه لم يُعرّف تعريفاً علمياً اختبار معامل الذكاء الذي أستخدمه، والذي يفترض أنه طبقه على الآلاف من أقارب أزواج التوائم. ومن أكثر المغالطات التي وقع فيها بيرت أنه أعلن أن معامل ارتباط الذكاء على عينة من التوائم (12وزجاً) عام 1955 كان 771,0، ثم أشار عام 1958 إلى أن عدد التوائم بلغ ثلاثين زوجاً، وكان معامل ارتباط الذكاء أيضاً 771,0، بل إنه أشار إلى نفس معامل الارتباط عام 1966 حين بلغ عدد التوائم المستخدمة في الدراسة 53 زوجاً. وهذا الميل الملحوظ لأن تبقى معاملات الإرتباط متطابقة حتى الرقم العشري الثالث، كان ينطبق أيضاً على  دراسات بيرت على التوائم المتطابقة غير المنفصلة. وكل هذه النتائج التي تم اكتشاف (فبركتها) وتزييف نتائج دراساته التي أجراها على التوائم، والتي أستخرج منها معاملات ارتباط تؤكد نظريته في وراثة الذكاء، أتضح بعد ذلك أنها نتائج لم تقم على أسس إحصائية سليمة. بل تبين أنه أختلق أسماء وهمية غير معروفة أشار إلى أنها كانت تُعلق على بحوثه في هذا المجال. كما أنه كان يقوم بنقل بعض نتائجه من مكان لآخر بغرض زيادة نسبة النتائج، وذلك من أجل تدعيم نتائجه السابقة. وكان نتيجة كل هذا أن ثارت الشكوك حول ما كان سائداً عن تأثير الوراثة كمحدد وحيد لتحديد الذكاء.

 2- النظريات البيئية:-

  يرى أصحاب هذه النظريات أن الذكاء يتأثر إلى حد بعيد بالخبرة والتأثيرات الحضارية والبيئية. وأن الطفل الذي يتعرض لبيئة غنية بالمثيرات والتنبيهات يزيد معامل ذكاؤه بدرجة ملحوظة. وقد دعمت هذه النظريات وجهة نظرها من خلال الدراسات التي أُجريت على التوائم المنفصلة والتي تربت في بيئات مختلفة وتعرضت لعوامل بيئية تختلف في ثرائها من حيث المثيرات. ولذلك فإن البرامج التوجيهية وبرامج التدريب يمكنها أن تساعد على نمو ذكاء الطفل حتى لو كان يعاني قدراً ما من النقص العقلي. كما يمكن تنمية معارف الطفل عن طريق الإدراك وتدريب الحواس البصرية والسمعية واللمسية والذوقية مما يزيد من درجة انتباهه للبيئة المحيطة. كما يمكن التعامل مع حاجات الطفل المعوق عقلياً بما يساعد على إشباعها، وبالتالي يقل الإحساس بالعجز، وتزيد القدرة على التكيف.

  3- النظريات النمائية:-

  لا تمثل تيارات البيولوجيين أو البيئيين كل التيارات التي حاولت الفصل في مدى تأثير كل من الوراثة والبيئة على الذكاء، بل ظهر فريق ثالث قامت نظرياته على محاولة التوفيق بين التيارين السابقين، واضعاً نظريات نمائية هي بحق أقرب النظريات إلى الصحة، وأكثرها توفيقاً في تفسير طبيعة الذكاء. ومن أمثله علماء هذا الاتجاه عالم النفس الأمريكي هب Hebb، وعالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه J. Piaget.

 أ- نظرية هب:-

  حاول هب  إيجاد الصلة بين الذكاء والعوامل الوراثية المتمثلة في الأداء الفسيولوجي للمخ من ناحية، وبين الذكاء وتأثيرات البيئة من ناحية أخرى. فهو يرى أن خبرات الطفل في السنة الأولى تقود إلى تكوين تجمعات من الخلايا العصبية في المناطق الاقترانية أو الارتباطية Association areas في المخ. وأن الإدراك يعتمد على فرع مستقل من هذا التجمع العصبي، وينتج عنه ما يسمى بالمخططات العقلية Mental schemas التي تعتمد في تكونّها على الإحساسات وخاصة السمعية والبصرية واللمسية. وتعتبر هذه المخططات بمثابة الإطار الذي تنتظم فيه كل خبرة الطفل لتكوين الفكرة أو المفهوم Concept. وكل ما يمر به الطفل من خبرات تالية إنما يدخل الشعور عن طريق ربطه بكل ما جرى من قبل. ويرى هب أنه كي يحدث النمو العقلي السليم فلابد من وجود المخططات العقلية في زمنها المناسب لأنها الأسس اللازمة للاستمرار في التعلم المتقدم.

   ويفرّق هب بين نوعين من الذكاء هما:-

1- الذكاء (أ):

  ويقصد به الذكاء الوراثي بصورة كامنة، فهو ذكاء فطري يعتمد على حجم المخ، ويمثل كفاءة الجملة العصبية من تكوين المخططات والاحتفاظ بها وتمازجها. وهو في المدى البعيد تحدده الوراثة والجينات التي تقوم بدورها في تكوين المخ وخلاياه. ويرى هب أن الطفل الذي يولد بخلايا عصبية أقل، يصبح أقرب لأن يكون متخلفاً بشدة من حيث مستوى أدائه العقلي.

 2- الذكاء (ب):

  ويقصد به الكفاءة العقلية الحاضرة، ويمثل الإمكانات العقلية التي بنيت أثناء سنوات العمر الأولى، والتي لا يمكن أن تنمو إلا من خلال إثارة البيئة المحيطة. ويرى هب أن تطور القدرة العقلية للفرد يتطلب تنبيهات مستمرة من البيئة الخارجية، وبالتالي يكون المستوى الحقيقي للأداء العقلي عبارة عن ما يحصله الفرد بإمكاناته الموروثة كنتيجة للمنبهات التي يتلقاها من البيئة.

   ويشير هب إلى طبيعة الذكاء من حيث هو تكوين فرضي لا نقيسه بشكل مباشر من خلال اختبارات الذكاء، ومن ثم فإن الذكاء الذي تقيسه مقاييس الذكاء يجب ألا نعتبره قابلية للتوريث بصورة محضة، لأننا في الواقع نقيس مظاهر الذكاء وليس الذكاء نفسه.

 ب- نظرية بياجيه:-

  يُعد جان بياجيه (1886-1967) أهم من حاول صياغة قوانين نمو التفكير واللغة وإرتقاء الذكاء عند الطفل عبر مراحل تطوره. ويرى بياجيه أن الذكاء ليس ملكة واحدة متميزة، بل هو موجود في كل العمليات التكيفية عند الحيوانات، والأطفال والراشدين.

  ويشير بياجيه إلى أن عملية انبثاق التفكير والصور تتم من خلال مخطط عقلي مناسب. فالطفل أبن السنتين عندما يرغب في الوصول إلى لعبة موجودة على الرف مثلاً، لا يذهب إلى الرف ويحاول الحصول عليها، فيعجز ويأتي بكرسي يقف عليه ليحصل على اللعبة، وإنما يذهب مباشرة إلى الكرسي ويحمله ويعتليه. ومعنى ذلك أنه حصل على مخطط عقلي يناسب طبيعة المشكلة التي يريد حلها.

   وتلعب اللغة عند طفل السنتين دوراً رئيسياً في تكوين مخططاته العقلية. إنها تساعده على تصنيف مدركاته وتثبيتها، إذ تُصبح للأشياء والأحداث هوية متميزة عن طريق إعطائها أسماء متمايزة. كما أن الكلمات تعتبر رموزاً للمفاهيم، أي لمجموعات الأشياء والأفعال. والتفكير الذكي لا يمكن أن ينمو إلا في سياق اجتماعي، حيث يساعد الراشدون والأطفال الأكبر سناً الطفل الأصغر على تنمية حصيلته من الأفكار والمفاهيم، وإقامة الصلة بينها عن طريق الكلام.

   والخلاصة التي نود التأكيد عليها أن الذكاء إنما هو قدرة موروثة في أصلها، ولكنها قابلة للنمو والتطور، وأن نموها إنما يتم في سياق اجتماعي. وأن المجتمع الأغنى والأقدر على تنمية أطفاله هو المجتمع الأصلح لنمو الذكاء وتزايده. وتتأكد وجهة النظر هذه من خلال التجربة التي أجريت على مجموعتين من الأطفال من ذوي الذكاء العادي. فقد تعرضت المجموعة الأولى لجوانب مختلفة من الإثارة العقلية والتوجيه الفكري التربوي، بينما حُرمت المجموعة الثانية -المجموعة الضابطة- من هذه الاستثارة. وبينت نتائج هذه الدراسة أن المجموعة الأولى زاد معدل ذكاء أفرادها بمقدار عشر درجات خلال عام واحد.

   إن الإنسان العادي لا يستعمل في العادة إلا جزءً ضئيلاً من إمكاناته الذكائية. فالطفل يولد بعبقرية متوازنة وبمواهب متكاملة، وبإمكانات كامنة، وبقدرات اجتماعية لا حصر لها. ولا تظهر هذه الإمكانات إلا عندما يُمنح الطفل فرصة متكاملة للنمو. وتصل هذه الإمكانات إلى أعلى مستوياتها عند توفر الظروف البيئية المُثلى التي تفجرها. ويمكن القول بأن بحوث تدريب الذكاء تشير في مجملها إلى أنه بالإمكان أن نصل بالإمكانات المتاحة وراثياً إلى أقصى ما يمكن أن تنطلق إليه، وذلك عن طريق التدريب والتوجيه والتنشيط العقلي والاجتماعي، بشرط أن يتم ذلك في الوقت المناسب من عمر الطفل.

 - قياس الذكاء:-

  يُعد ألفريد بينيه A. Binet أول من أهتم من علماء النفس بإيجاد أداة تساعده على القياس العقلي. وتلاه العديد من العلماء الذين حاولوا الوصول إلى قياس دقيق لما يعنيه كل منهم بالذكاء. وقد توفرت مجموعة لا بأس بها من اختبارات الذكاء التي تقيس بشكل عام مجموعة من الأعمال والأنشطة المختلفة، سواء كانت أنشطة لفظية أو أنشطة عملية. وهذه الأنشطة في مجملها تُمثل عينة جيدة لمجال واسع من القدرة العقلية. وبالطبع فإن المقام هنا ليس مقام تناول اختبارات الذكاء على تفصيلاتها، ولكننا سنعرض بشكل موجز أكثر هذه الاختبارات شهرة كعينة لما تقيسه هذه الأدوات. وسنعرض كلاً من مقياس ستنافورد - بينيه، ومقياس وكسلر.

 1- مقياس ستانفورد - بينيه:-

  حاول بينيه من عام 1890 ولسنوات طويلة أن يجد طريقه تُمكنه من قياس الذكاء. وأثناء قيامه بهذه المحاولات واجهت وزارة التعليم في فرنسا مشكلة تتعلق بالتخلف الدراسي، وما يمكن أن يُقدم من مساعدة للتلاميذ الذين يعانون من نقص قدراتهم العقلية، تمهيداً لوضعهم في مدارس خاصة تُقدم لهم تدريبات أعمق على التفكير والتعلم. وقد طلبت وزارة التعليم منه أن يصمم أداة تساعد على التمييز بين التلاميذ ذوي المستوى المناسب للتعليم، والتلاميذ المتخلفين عن متابعة الدراسة لأسباب تتعلق بقدراتهم العقلية.

   وظهر أول مقياس للذكاء على يد بينيه عام 1905، ثم قام بتعديله بعد ذلك عام 1908،  وعام 1911إذ ظهرت لديه فكرة العمر العقلي Mental Age كوحدة للقياس العقلي. وبدأ في استخدام متوسط درجات أفراد مختلفين من أعمار زمنية محددة كأساس للمقارنة بين القدرات العقلية. أي أن بينيه هدف من هذا التعديل إلى معرفة العمليات العقلية التي ينجح فيها طفل الثانية أو الثالثة مثلا، ثم يتخذ من هذه العمليات دليلاً على وصول الطفل إلى مستو عقلي معين. ووضع بينيه في هذه الصورة المعدلة للاختبار مجموعة من الاختبارات التي تتناسب وكل عمر عقلي. فإذا نجح الطفل في إجراء اختبارات عمر خمس سنوات مثلاً، يكون عمره العقلي في هذه الحالة خمس سنوات، أي أن الطفل له من القدرة العقلية ما يسمح له بإجراء نفس العدد من الاختبارات التي يجريها أغلب أطفال سن الخامسة.  ووضع بينيه تعريفاً للعمر العقلي بأنه مجموع الإجابات الصحيحة التي تناسب عمراً زمنياً معيناً.

   وفي عام 1912 أستطاع شتيرن أن يقدم معادلة لم يُتح لبينيه استخدامها لوفاته. وأستخدم في ذلك مفهوم النسبة العقلية  Mental Quotientالتي أسماها تيرمان فيما بعد بمعامل الذكاء Intelligence Quotient والمعروف اختصارا بـ (I.Q) . ويمكن الحصول على هذا المعامل بقسمة العمر العقلي على العمر الزمني Chronological age وضرب الناتج في 100 .

  ويعني هذا أن الطفل الذي يكون عمره الزمني 10 سنوات مثلا، وعمره العقلي 13 سنة  من واقع درجاته على الاختبار، يكون معامل ذكائه 130. وهذه النسبة تمكننا من معرفة ما إذا كان الطفل متقدماً في عمره العقلي عن عمره الزمني أم متخلفاً عنه.

   وقد أجرى تيرمان عام 1916 أولى محاولات إعادة تقنين الاختبار في جامعة ستانفورد التي أُضيف اسمها للاختبار، وأصبح معروفاً بإسم مقياس ستانفورد - بينيه Stanford-Binet .  وقد أُجريت على الاختبار العديد من التعديلات لسنوات طويلة حتى عام 1972 . ويقيس المقياس بشكل عام مجموعة من الوظائف العقلية التي تختلف باختلاف المرحلة العمرية التي يتم فيها قياس الذكاء (من سن سنتين إلى الراشد المتفوق). وتشمل هذه الوظائف بصفة عامة الإدراك البصري، والقدرة على التحليل، والذاكرة، والفهم، والاستدلال، وتكوين المفاهيم المجردة.

 2- مقياس وكسلر - بلفيو:-

  يُعد مقياس وكسلر-بلفيو Wechsler-Bellevue من أشهر مقاييس الذكاء على مستوى العالم، قدمه عالم النفس الأمريكي ديفيد وكسلر عام 1939 في مستشفى بلفيو للطب النفسي، في محاولة منه لوضع مقياس فردي للذكاء يتجاوز به أوجه القصور التي شابت مقياس ستانفورد-بينيه، والتي تمثلت في مبالغته لعامل السرعة الذي يصلح للأطفال أكثر من البالغين، وتشبع المقياس بالعامل اللفظي. ثم أجرى وكسلر تعديلاً على المقياس ونشره عام 1955 تحت عنوان "اختبار وكسلر لذكاء الراشدين Wechsler Adult Intelligence Scale". وتوجد نسخة من الاختبار لقياس ذكاء الأطفال. ويتكون المقياس من مجموعتين من الاختبارات الفرعية أُطلق على الأولى الاختبارات اللفظية Verbal tests يبلغ عددها 6 اختبارات، وتقيس نسبة الذكاء اللفظي Verbal I.Q، وأُطلق على الثانية الاختبارات العملية Performance tests ويبلغ عددها 5 اختبارات تقيس الذكاء العملي Performance I.Q. وتقيس المجموعتان معاً نسبة الذكاء الكلية Total I.Q.

  وتشمل الاختبارات اللفظية ما يلي:-

1- اختبار المعلومات Information.

2- اختبار الفهم Comprehension .

3- اختبار الحساب Arithmetic .

4- اختبار المتشابهات Similarities.

5- اختبار المفردات Vocabulary.

6- اختبار إعادة الأرقام Digit span.

   أما الاختبارات العملية فتشمل ما يلي:-

1- اختبار ترتيب الصور Picture arrangement.

2- اختبار تكميل الصور Picture completion.

3- اختبار تصميم المكعبات Block design.

4- اختبار رموز الأرقام Digit symbols.

5- اختبار تجميع الأشياء Object assembly.

 - معنى نسبة الذكاء:-

  ماذا يعني حصول الفرد على درجة معينة على اختبار الذكاء، أو بعبارة أخرى ماذا تعني نسبة الذكاء، وماذا يعني قولنا أن فلاناً نسبة ذكائه كذا؟. لقد أوضحت معظم الدراسات المتعلقة بقياس الذكاء، والتي أُجريت على عينات كبيرة من الأفراد أن هناك فروقاً بين الأفراد فيما يحصلون عليه من نسب الذكاء. وتبين أن معظم الأفراد يحصلون على نسبة ذكاء تبلغ 100، كما أن البعض القليل يحصل على نسبة أعلى من 100، والبعض القليل الآخر يحصل على أقل من هذه النسبة. ويعني هذا أن نسبة 100 هذه تمثل متوسط أفراد المجتمع، أو أن معظم أفراد المجتمع يكون ذكاؤهم متوسطاً أو عادياً، بينما يتوزع بقية الأفراد في طرفين أحدهما أقل من هذه النسبة، والآخر أعلى منها. ويعني هذا أن هناك فئات مختلفة للذكاء يتوزع عليها أفراد المجتمع بنسب ثابتة تقريباً في كل المجتمعات. وهذه الفئات تأخذ شكلاً يُعرف إحصائياً بمنحنى التوزيع الإعتدالي. ويعني هذا التوزيع أن أعلى نقطة في المنحنى تمثل المتوسط، بينما تقع حول هذه النقطة البقية الباقية من أي شيء يتم توزيعه إعتدالياً. وبالنسبة للذكاء فإن غالبية الأفراد أصحاب الدرجات المتوسطة يقعون في منتصف هذا التوزيع، بينما توجد على يمين هذه المجموعة نسبة قليلة تمثل الحاصلين على درجات أعلى من المتوسط (أذكياء وعباقرة)، وتقع على يسارها نسبة قليلة تمثل الحاصلين على درجات أقل من المتوسط (منخفضي الذكاء، والمتخلفين عقلياً).

- فئات الذكاء:-

  في ضوء المنحنى السابق يمكن تقسيم الذكاء إلى ثلاث فئات أساسية هي:-

1- فئة ضعاف العقول: وتشمل هذه الفئة المستويات الفرعية التالية:-

          أ- المعتوه Idiot  وتبلغ نسبة ذكاء هذه المجموعة أقل من 25.

          ب- الأبله Imbecile ويتراوح ذكاؤه بين 25-49.

          ج- المأفون Moron ويتراوح ذكاؤه بين 50-69.

 2- فئة متوسطي الذكاء: وتشمل هذه الفئة المستويات التالية:-

          أ- بيني الذكاء Borderline ويتراوح ذكاؤه بين 70-79.

          ب- الغبي Dull ويتراوح ذكاؤه بين 80-89.

          ج- متوسط الذكاء Average وتتراوح نسبة ذكائه بين 90-109.

3- فئة الأذكياء: وتشمل المستويات التالية:-

          أ- فوق المتوسط Above average ويتراوح ذكاؤه بين 110-119.

          ب- ذكي Intelligent ويتراوح ذكاءه بين 120-129.

          ج- ذكي أو متفوق جداً Very superior وتتراوح نسبة ذكائه بين 130-139.

          د- عبقري Genius ويتراوح ذكاؤه بين 140 فما فوق.

   ويمكن تلخيص هذه الفئات الثلاثة، والمجموعات الفرعية لها في الجدول التالي:-

الفئة الأساسية

نسبة الذكاء

المجموعة

 

أقل من 25

معتوه

ضعاف العقول

25-49

أبله

 

50-69

مأفون

 

70-79

بيني

متوسطو الذكاء

80-89

غبي

 

90-109

متوسط

 

110-119

فوق المتوسط

الأذكياء

120-129

ذكي

 

130-139

ذكي جداً

 

140 فما فوق

عبقري

 

 

 

 

 

 

 فئات الذكاء

 

ثانياً: التخلف العقلي

(Mental Retardation)

  إذا كنا قد تناولنا في الجزء السابق مفهوم الذكاء وطرق قياسه والعوامل المحددة له، فإن الأمر يتطلب منا أن نستكمل الجانب الآخر من الذكاء، والذي لا يقل أهمية عنه، بل يعد مكملاً للصورة العامة لهذا الموضوع، ونعني بذلك التخلف العقلي.

 - تعريف التخلف العقلي:-

  الحقيقة أن الفارق بين الشخص العادي والشخص الذي يعاني تخلفاً عقلياً إنما هو فارق في الدرجة، وليس في النوع. أي أنه فارق كمي وليس فارقاً كيفياً. فالمتخلف عقلياً يقع في التوزيع الإعتدالي للذكاء على يسار متوسطي الذكاء، أي أنه يقل عن المتوسط. فماذا نعني إذن بالتخلف العقلي؟.

   يُعد التخلف العقلي نقصاً في مستوى الذكاء، فهل يعني هذا أن الأمر مجرد نقص في الدرجة أم أن هناك نواح أخرى تفرق ما بين الفرد العادي والفرد المتخلف عقلياً؟. إن الشخص المصاب بالتخلف العقلي شخص لا يسير نموه العقلي بصورة طبيعية تتناسب مع نموه الجسمي، أي أنه ينمو بدنياً بصورة أكبر مما ينمو عقلياً. وبعبارة أخرى لا يسير عمره العقلي مع عمره الزمني، حيث يتأخر الأول عن الثاني. ولذلك فإن المتخلف العقلي يمكن اعتباره شخصاً يملك عقلاً كبقية الأفراد العاديين، ولكن هذا العقل أقل نضجاً وإنتاجاً وإدراكاً، كما أنه أقل تكيفاً وكفاءة في التعامل مع البيئة، فهو يعاني من صعوبات في التعلم واكتساب الخبرات، وحل المشكلات. إنه لا يستطيع باختصار أن يتواءم مع ما يمر به من ظروف بيئية مختلفة، وتنقصه القدرة على التعامل الجيد مع البيئة بشكل عام، سواء نفسياً أو عقلياً أو اجتماعيا.

   وبشكل عام فإن مسألة تعريف التخلف العقلي بصورة قاطعة ومحددة تعد مسألة صعبة. لأن التعريف عادة ما يعتمد على نسبة الذكاء دون النظر للأسباب أو المظاهر المختلفة التي تتعلق بهذه المشكلة، من قبيل المظاهر الطبية والاجتماعية والنفسية وما إلى ذلك. فقد يصاحب التخلف العقلي قصور في البنية الجسمية أو عجز بدني. كما قد يصاحبه صعوبات في التكيف الاجتماعي، مع صعوبات تربوية وتعليمية. ومن هنا تكمن صعوبة التعريف إذ لابد أن يتضمن كل هذه المظاهر.

   ويمكن أن نُعرّف التخلف العقلي بصورة عامة على أنه نقص أو تأخر أو توقف أو عدم اكتمال النمو العقلي المعرفي. أو أنه مستوى من الأداء العقلي يكون دون المتوسط، وينشأ أثناء فترة النمو التطور والارتقاء، ويصاحبه خلل أو أكثر من جوانب النضج والتعلم والتوافق الاجتماعي.

   ومن المعروف أن مستوى ذكاء الفرد ينمو ويزداد بسرعة في السنوات الأولى من عمره، ثم يزداد بشكل أكثر ثباتاً في المرحلة العمرية 13-15 سنة، ويبطؤ نموه تدريجياً في سن 16-18، وبعد هذه السن لا تحدث زيادة يمكن قياسها. وقد ذكرنا من قبل أن مستوى ذكاء الفرد يظل ثابتاً تقريباً طوال حياته، باعتبار أن الذكاء يقاس دائماً بمقارنة أداء الفرد بمتوسط أداء الأفراد الذين يقعون في نفس الفئة العمرية التي ينتمي إليها هذا الفرد.

  والطفل المتخلف عقلياً هو الطفل الذي لم يصل نموه العقلي إلى غايته. بمعنى أنه يقل عن المتوسط كما سبق وذكرنا. وهذا الطفل يتصف بالنقص في جوانب العقل الثلاثة: الإدراك ، والوجدان، والسلوك. ولذلك فهو أقل قدرة على الفهم وتكوين التصورات والمفاهيم والمعاني المجردة. كما أنه أقل قدرة على الانفعال بشكل سليم لما يتعرض له من مثيرات. وأخيراً فإن سلوكه يتسم بالقصور وقلة الكفاءة، والعجز عن التصرف بشكل سليم. وهو بهذا المعنى يصبح عاجزاً عن التكيف مع ظروف البيئة الطبيعية، وغير قادر على الاستقلال الذاتي، ويحتاج إلى رعاية الآخرين.

 - تصنيف التخلف العقلي:-

  تُعد مسألة تصنيف التخلف العقلي مشكلة عامة مثلها مثل العديد من قضايا التصنيف في أي مجال. ونحن لا نكاد نجد اتفاقا عاماً بين العاملين في هذا المجال على تصنيف محدد يمكن التعامل معه. فقضية التخلف العقلي شغلت وتشغل العلماء على اختلاف تخصصاتهم، ولذلك فإننا نجد العديد من التصنيفات التي ترجع كثرتها إلى اختلاف مفهوم التخلف العقلي عند كل فئة من المشتغلين بهذا الموضوع. ويصبح من المحتم علينا أن نتعرض لهذه التصنيفات على اختلافها، علها تساعدنا في إقامة تصور أكثر اتساعا وفهماً لهذا الموضوع.

   ويمكن إيجاز التصنيفات المختلفة للتخلف العقلي في الفئات التالية:-

1- التصنيف وفقاً لمستوى الذكاء I.Q. level classification.

2- التصنيف وفقاً لأسباب التخلف العقلي Etiological classification.

3- التصنيف وفقاً للتشخيص الإكلينيكي Clinical classification.

4- التصنيف وفقاً للقدرة على التعلم Educational classification.

 أولا: التصنيف حسب مستوى الذكاء:-

  يهتم أصحاب هذا التصنيف بالفروق التي تعتمد على نسبة الذكاء أكثر من أي فروق أخرى. بمعنى أنه تصنيف يعتمد على الفروق في الكم أكثر من الفروق في الكيف أو النوع. ووفق هذا التصنيف يمكن تقسيم فئات التخلف العقلي إلى ما يلي:-

 1-فئة  المعتوه: Idiot

   وهي فئة أقصى حالات الضعف العقلي، ويكون مستوى الذكاء فيها أقل من 25. ويتميز المعتوه بعدم القدرة على إدراك الأمور إدراكاً واضحاً، كما أنه لا يستطيع أن يحمي نفسه من الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها وتهدد حياته. وتعوزه القدرة على المحافظة على ذاته، ولا يستطيع أن يؤدي أي عمل، فهو في حاجة لمن يطعمه أو يلبسه أو يعتني به.  ويمكن للمعتوه أن يتعلم بعض الكلمات ذات المقطع الواحد. ومن الناحية القانونية يعد غير مسئول عن تصرفاته أو سلوكه. وبالإضافة إلى نقص مستوى الذكاء توجد في هذه الفئة عادة مظاهر أخرى للتخلف كنقص النمو الجسمي، وتخلف النمو الاجتماعي والانفعالي. وعلى الرغم من النقص الشديد في مستوى الذكاء لدى المعتوهين فإن بعضهم قد تكون لديه بعض الملكات الاستثنائية فتظهر لديه مهارات موسيقية أو مهارات خاصة بالرسم بشكل متميز ويُطلق عليهم "المعتوهين العباقرة" Idiot savants.

 2-فئة  الأبله: Imbecile

  وتمثل هذه الفئة المرتبة التالية من التخلف العقلي، ونسبة ذكاء أفرادها تتراوح بين 25-50. ويتميز الأبله عن المعتوه في إمكانية تعليمه طبيعة الأخطار المادية التي تتهدده، مع القابلية لتعلم بعض الأعمال البسيطة والمعتادة التي يحتاجها في حياته اليومية. ومع ذلك فهو غير قادر على الكسب، ويحتاج لمن يعتني به. كما يمكنه تعلم بعض الكلمات ذات المقطع الواحد.

 3- فئة المأفون: Moron

  ويبلغ مستوى ذكاء هذه الفئة ما بين 50-70، ويتميز الطفل المأفون عن الأبله في إمكانية تعليمه بعض الأعمال التي يمكن أن تدر عليه دخلاً يساعده على كسب قوته. ومع ذلك فهو غير قادر على التكيف مع المواقف الجديدة الخارجة عن نطاق خبرته السابقة. كما تنقصه بعض نواحي النضج العقلي مثل القدرة على التخطيط للمستقبل، ولا يحتمل الواجبات والالتزامات الاجتماعية. ويمكن تعليمه المباديء الأولى للقراءة والكتابة، والعمليات الحسابية البسيطة.

 4- الفئة البينية: Borderline

  ويتميز أطفال هذه الفئة بأنهم أعلى من الأطفال المأفونين، وأقل من الأطفال العاديين، حيث يتراوح مستوى ذكائهم بين 70-80/90. وعادة ما يطلق على هذا الطفل بالطفل الغبي Dull child. وتضم هذه الفئة ما يُطلق عليهم الأطفال بطييء التعلم Slow learners حيث يواجهون بعض الصعوبات في النواحي التعليمية. ويختلف هؤلاء الأطفال عن الأطفال العاديين في مجال السمات العقلية وخاصة الإدراك السمعي والبصري، إذ يعاني كثير منهم من ضعف السمع والأبصار وعيوب الكلام. ومثل هؤلاء الأطفال قد ينضمون إلى الفصول العادية بالمدارس، أو تكون لهم فصولهم الخاصة.

 ثانياً- التصنيف حسب الأسباب:-

  في مثل هذا التصنيف يتم التعامل مع الأسباب التي أدت إلى القصور العقلي، وتشمل هذه الأسباب الفئات التالية:-

1- العوامل الوراثية:-  ويتم التقسيم وفقاً للسبب الوراثي الذي أدى إلى التخلف العقلي من قبيل مرض داون، أو حالات متلازمة كلاينفيلتر وغيرها من الحالات التي ترجع إلى خلل وراثي سواء كان هذا الخلل في الجينات أو في عدد وطبيعة الكروموسومات.

2- الإضطرابات الفسيولوجية: وهي الحالات الناتجة من خلل عمليات التمثيل الغذائي للخلية سواء كان وراثياً أو نتيجة الإصابة بالمرض. ومن أمثلة هذه الحالات مرض البول الفينايل كيتوني، ومرض ويلسون (اضطراب التمثيل الغذائي للنحاس)، والأمراض الناتجة من عدم توافق فصائل دم الأبوين وما إلى ذلك من أسباب.

 3- إصابة المخ: Brain damage وهي الحالات الناتجة من تعرض المخ للإصابة سواء كانت أثناء الولادة، أو الإصابات التي يتعرض لها الفرد بعد ذلك في سنوات العمر المبكرة.

ثالثاً- التصنيف الإكلينيكي:-

  يتم التقسيم هنا وفقاً لبعض المظاهر التشريحية والوظيفية والشكلية التي تصاحب التخلف العقلي. ويتضمن التصنيف فئتين أساسيتين هما التخلف العقلي الأولي، والتخلف العقلي الثانوي.

1- التخلف العقلي الأولي:-

  ويعني التخلف العقلي الأولي Primary أن السبب في هذا التخلف يحدث بصفة مبكرة ونتيجة أسباب وراثية. وتشمل حالات هذه الفئة ما يلي:-

أ- حالات داون:-

  وهي الحالات التي أشرنا لها من قبل وتنتج من وجود كروموسوم زائد في الكروموسومين رقم 21 . ويكون مستوى الذكاء ما بين الأبله (25-50) والمعتوه (أقل من 25).

ب- صغر حجم الجمجمة:-

  وهي حالات تكون الجمجمة فيها صغيرة الحجم Microcephaly وكذلك المخ. ونقصد بصغر حجم الجمجمة عدم تناسبها مع بقية حجم الجسم بصورة واضحة. وعادة ما تكون درجة التخلف من نوع الأبله (25-50).

 ج- استسقاء المخ:-

  وحالات استسقاء المخ Hydrocephalus يزيد فيها حجم الرأس والمخ نتيجة وجود زيادة في كمية السائل النخاعي Cerebrospinal fluid الذي يحيط بالمخ والحبل الشوكي، ويعمل على تغذيتهما وحمايتهما من الصدمات. وعادة ما يصاحب هذه الزيادة انسداد في مجرى هذا السائل. ويكون مستوى الذكاء في هذه الحالات منخفضاً للغاية (درجة معتوه) كما يصاحبها نقص في النمو الجسمي والوظائف العقلية بشكل عام.

 ج- القصاع:-

  يرجع مرض القصاع Cretinism إلى نقص إفراز الغدة الدرقية عند الطفل لأسباب وراثية.

 د- الشلل المخي:-

  ويُقصد بحالات الشلل المخي Cerebral palsy وجود شلل بالأطراف الأربعة من الجسم، مع نقص وظائف النمو، ووجود حالات الصرع، مع تخلف عقلي شديد.

هـ- العته العائلي المظلم:-

  وحالات العته العائلي المظلم Amaurotic family idiocy تتميز بضمور العصب البصري مما يُفقد الطفل القدرة على الإبصار تدريجياً، مع شلل في أجزاء الجسم، بالإضافة إلى التخلف العقلي.

و- حالات اضطراب التمثيل الغذائي:-

  وهي الحالات التي تنتج لأسباب وراثية تؤثر على التمثيل الغذائي لبعض المواد ومن أمثلتها حالات البول الفينايل كيتوني.

2- التخلف العقلي الثانوي:-

  وعادة ما تكون أسباب التخلف في هذه الفئة ثانوية Secondary أو بيئية مكتسبة. كأن تُصاب الأم أثناء الحمل بالحصبة الألماني، أو نتيجة إصابات أثناء الولادة، أو إصابة بالأمراض في سنوات العمر المبكرة كالالتهاب السحائي، أو الحمى الشوكية، أو نتيجة إصابات الرأس.

رابعاً- التصنيف التعليمي أو التربوي:-

  وهو تقسيم يهم المشتغلين في مجال التعليم، حيث يصنفون فيه التخلف العقلي وفقاً لمدى قابلية الطفل للتعليم والتحصيل الدراسي. ويضم هذا التصنيف الفئات التالية:-

     1- ضعاف العقول: Feeble minded وهم الأطفال الذين لا يمكنهم الاستفادة من التعليم سواء كان ذلك في المدارس العادية أو في المدارس الخاصة بذلك.

     2- المعاقون عقلياً: Mentally handcapped وهم الذين توجد لديهم بعض القدرات التي تساعد على تعلم المهارات الاجتماعية أو المهنية، كما يمكنهم الاعتماد على أنفسهم إلى حد ما، ويمكنهم كسب قوتهم.

     3- بطيئو التعلم : Slow learners وهم الأطفال الذين يجدون صعوبة في مواءمة أنفسهم للمناهج التعليمية بالمدارس العادية بسبب قصور بسيط في مستويات ذكائهم، أو نتيجة لضعف القدرة على التعلم، وعادة ما يلتحقون بالمدارس العادية.

  ونود أن نشير إلى أن هذه التصنيفات الأربعة على اختلاف أنواعها قد تؤدي إلى بعض اللبس عند تناولها، ولذلك فقد تم الإتفاق بشكل عام على تقسيم أكثر شمولاً وبساطة وضعته الجمعية الأمريكية للقصور العقلي Mental deficiency عام 1973، واستقرت عليه الجمعية الأمريكية للطب النفسي، وأشارت إليه في التصنيف الإحصائي الثالث للأمراض النفسية والمعروف اختصارا باسم (D.S.M III) وتبنته كذلك في التصنيف الإحصائي الرابع. ويشمل هذه التصنيف الفئات الخمسة التالية:-

 1- التخلف العقلي البسيط: Mild M.R.

  وتشمل فئة التخلف العقلي البسيط الأفراد الذين يتراوح معامل ذكائهم بين 50-70 (مستوى المأفون) وتضم ما يقرب من 80% من حالات التخلف العقلي. ويتميز الفرد الواقع في هذه الفئة بالمهارات الاجتماعية والقدرة على التواصل، مع نقص بسيط في الوظيفة البصرية الحركية وذلك في سن ما قبل المدرسة. كما يتميز بالقابلية للتعلم الدراسي بما يصل به إلى مستوى الصف السادس الابتدائي. كما تكون لديه المهارات الاجتماعية والمهنية التي تمكنه من حماية نفسه. ومع ذلك فهو يحتاج إلى التوجيه والرعاية في الفترات التي يتعرض فيها للشدائد والضغوط الاجتماعية والاقتصادية. وقد لا يتم تمييز هؤلاء الأطفال عن الأطفال العاديين في السنوات الأولى من العمر (سن ما قبل المدرسة).

 2- التخلف العقلي المتوسط: Moderate M.R.

  وتشمل هذه الفئة الأفراد الذين يتراوح ذكاؤهم بين 35-50. وتشمل حوالي 12% من حالات التخلف العقلي بشكل عام. ويتميز الفرد في هذه الفئة بالقابلية للتدريب Trainable ولكنه لا يستطيع التقدم في الدراسة أكثر من الصف الثاني الابتدائي. كما لا يستطيع الاستفادة من التدريب على بعض المهارات الاجتماعية والمهنية. ويستطيع أيضاً أن يساعد نفسه، ولكن لابد من رعايته تحت ظروف الضغط بوجه عام.

3- التخلف العقلي الشديد: Severe M.R.

  ويشمل الأفراد الذين يتراوح ذكائهم بين 20-35، ويمثلون حوالي 7% من إجمالي حالات التخلف العقلي.