Home Up الكتب المنشورة مواقع هامة في المجال السيرة الذاتية منتدى الأعصاب والطب النفسي مواقع عربية ونفسية الأبحاث العلمية

  ف7- الساعة البيولوجية

الفصل السابع – الساعة البيولوجية  

- مقدمة:-

  كل منا لاحظ على نفسه وجود أنشطة بيولوجية معينة تتم وفق جدول زمني شبه ثابت. ولا يتغير هذا الجدول إلا عندما تتغير الظروف، وحتى عند تغيرها تكون التغيرات عادة طفيفة. فنحن ننام في مواعيد شبه ثابتة، ونصحو على نفس الإيقاع تقريباً. بل إننا نخلد للراحة، ونبدأ النشاط بصورة إيقاعية، فماذا تعني هذه الملاحظات؟.

   إن إحدى السمات المميزة والواضحة للحياة على الأرض، قدرة معظم الكائنات الحية على تغيير نشاطها وسلوكها على أساس يومي (أو كل أربع وعشرين ساعة). وهذه التغيرات اليومية في أسلوب الحياة تتزامن مع التغيرات الحادثة في البيئة الفيزيقية، معتمدة في ذلك على بعض الآليات مثل دوران الأرض حول نفسها. وهناك أهمية لاشك فيها فيما يتعلق بإيقاع العمل على المستوى البيوكيميائي والخلوي الذي يحدث في كل أجهزة الجسم.

   ويظل مفهوم كلود برنار C. Brnard عن الهوميوستازيس -الذي يشير إلى ثبات البيئة الداخلية في كل الكائنات- أحد المفاهيم التي تمت مراجعتها، والتي توصلنا من خلالها إلى وجود تغيرات منتظمة داخل البيئة الداخلية الكائن الحي، يمكن التنبؤ بها خلال الأربع والعشرين ساعة. وقد تبين أن هذه الإيقاعات البيولوجية اليومية ليست مجرد استجابة للتغيرات التي تحدث في البيئة الفيزيقية طوال الأربع والعشرين ساعة. ولكنها تحدث نتيجة نظام ميقاتي بيولوجي موجود داخل الكائن الحي. ويسمى هذا النظام الميقاتي بالساعة البيولوجية Biological clock، فماذا تعني هذه الساعة؟.

   إن الساعة البيولوجية تعني وجود إيقاع داخلي في الكائن الحي ينظم عملياته الحيوية. وهذا الإيقاع يحدث من خلال التقلبات التي تحدث في العمليات الحيوية داخل كل خلية، أو نسيج أو نظام فسيولوجي. وهذه الساعة لا تقيس إلا فترة زمنية محدودة. فهي تشبه ساعة الرمل Sand glass التي تقيس دورة زمنية واحدة، ولكنها لا تعطينا المجموع الكلي لكل الدورات. وهذا يعني أنها تقيس تغيرات أربع وعشرين ساعة، هي الوحدة الزمنية المحددة لها.

  ووجود الساعة البيولوجية ليس مقصوراً على الإنسان، بل إن كل الكائنات الحية تمتلك هذه الساعة. فقد أُجريت دراسات على نمو النباتات وتغير عمليات التفاعل البيولوجي التي تحدث في خلاياها. وتبين من هذه الدراسات أن النباتات تتبع نظاماً إيقاعياً في عملياتها الحيوية من نمو وتفاعل. ونفس الإيقاع الثابت تبين وجوده لدى الحيوانات أيضاً. ولذلك فإن لكل كائن حي ساعته البيولوجية الخاصة به.

  وبالإضافة إلى الساعة البيولوجية التي تقيس وحدة زمنية محددة -24ساعة- توجد ساعة أخرى تسمى بالساعة البيولوجية الكبرى Grand biological clock. وهذه الساعة تقيس التغيرات التي تحدث في الكائن الحي بدءاً من لحظة الميلاد، وحتى لحظة الموت. وتعتمد هذه الساعة على التغير الذي يحدث في الإيقاع،و ولكنها بدلاً من أن تقيس هذا الإيقاع فإنها تقيس التغير الذي يحدث فيه، أي أنها تقيس فقدان الإيقاع. وتعمل الساعة البيولوجية الكبرى بشكل غير منتظم -عكس الساعة البيولوجية- فهي قد تبطيء في عملها، وقد تسرع في إيقاعها، وتزيد من سرعتها. ولكنها في أي من الحالتين -البطء أو السرعة- تسير في اتجاه واحد هو اتجاه الفقدان التدريجي للإيقاع. وهي تختلف عن الساعة البيولوجية التي تسير بشكل دائري، حيث يتكرر إيقاعها، وتقيس نفس التغيرات التي تحدث في كل دورة زمنية. فالساعة البيولوجية الكبرى لا تقيس التغير إلا مرة واحدة، وهذا التغير لا يتكرر مرة أخرى، لأنها تسير في اتجاه تغيرات جديدة. بينما تقيس الساعة البيولوجية التغير الذي يمكنا ملاحظته كل يوم وفي نفس الموعد، إنها دائرية. فهرمون الكورتيزول مثلاً يزيد في آخر الليل، ويمكنّا أن نقيس هذه الزيادة شبه الثابتة كل يوم، في نفس الموعد تقريباً.

   وفيما يتعلق بالساعة البيولوجية الكبرى فإننا على ما يبدو محكومون -جزئياً- بها، لأنها تحدد ما يطرأ علينا من تغير أثناء النمو وتقدم العمر. فهي ساعة وراثية معقدة، دقيقة التناغم والانتظام. ساعة تفجر التغيرات البدنية العريضة التي نمر بها، مثل قفزات النمو، والبلوغ، وسن اليأس والشيخوخة. إنها توجه السياق العام لتفاصيل أدق في حياتنا. وهي بذلك تؤثر في كل ما هو بيولوجي تقريباً. فظهور أنواع معينة من السرطان في فئات عمرية معينة، وعدم ظهورها قبل وصول الفرد إلى مرحلة بعينها. ونمط إصابة الخلايا بالشيخوخة، وطبيعة النمو العقلي للأطفال. كل هذا يشير إلى وجود نظام داخلي يعمل على تفجير استجابات خاصة عند نقطة معينة من مراحل حياتنا. ويحدث هذا طالما أن العوامل البيئية الهامة توجد أيضاً لتساعد في تفجر هذه التغيرات.

  - أنواع الإيقاعات البيولوجية:-

  والإيقاعات البيولوجية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع: الأول ما يسمى بالإيقاع اليومي Diurnal Rhythm، والثاني الإيقاع السيركادي Circadian Rhythm، والثالث الإيقاع السنوي Circannual Rhythm. أما الإيقاع اليومي فيقيس التغير والاختلاف الذي يطرأ على أي مؤشر فسيولوجي خلال الأربع والعشرين ساعة (اليوم) مثل التغير في درجة حرارة الجسم، وإفراز الهرمونات وكميتها في الدم ...إلخ. بينما يقيس الإيقاع السيركادي التغيرات كلها التي تحدث في فترة الأربع والعشرين ساعة تقريباً. وبالطبع فإن هذا القياس ليس وقفاً على مؤشر بعينه وما يعتريه من تغير، وإنما ينسحب على كل ما يحدث من تغيرات. أما الإيقاع السنوي فيحدد إيقاعات سنوية كتلك التي تحدث عند الطيور المهاجرة. فهذه الطيور تبدأ رحلة السفر إلى الجنوب في مواعيد شبه ثابتة سنوياً، وبعد وصولها إلى الأرض الجديدة ما الذي يحدد لها موعد العودة للوطن مرة أخرى؟. إنها هذه الساعة السنوية التي تحدد لها الموعد المناسب للهجرة، وتلعب دوراً هاماً في عملية إيقاع الهجرة وانتظامها مع تغير الفصول.

   بل إن الإيقاع الفصلي -السنوي- يحدث في الإنسان أيضاً، فنجد هناك تغيرات في ضغط الدم، ومستوى التيستوستيرون (هرمون الذكورة)، والنشاط الجنسي بشكل عام، ومعدلات النوم واليقظة. وكل هذه التغيرات ترجع إلى التغير الحادث في طول الليل والنهار الذي يتغير بتغير الفصول. حيث يزداد الليل في الشتاء وينقص النهار. وترتبط هذه التغيرات بحدوث مظاهر الإجهاد الجسمي متمثلة في زيادة الإصابة بفيروس الأنفلونزا، وإصابة الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، وذلك في فصل الشتاء حيث تزيد نسبة الإجهاد الجسمي نتيجة تغير طول كل من الليل والنهار.

  ونحن حين نذكر الساعة السيركادية نقول أنها تقيس ما يحدث في الأربع والعشرين ساعة تقريباً، فلماذا كلمة تقريباً هنا؟. إن كلمة سيركادي مشتقة من المصطلح اللاتيني Circum ويعني تقريباً أو حوالي. والكلمة في مجملها مكونة من مقطعين: الأول Circa وتعني حوالي، والثانية Dies وتعني اليوم. وبالتالي فهي تعني ما يحدث خلال ما يقرب من 24 ساعة. وقد صك فرانز هالبرج F. Halberg مصطلح الإيقاعات السيركادية في الولايات المتحدة، حتى أصبح هذا المصطلح من الألفاظ الشائعة اليوم.

   والإيقاعات السيركادية لها تفسيران: الأول تفسير داخلي وفيه يرى العلماء أن هناك بعض الوظائف الموجودة في الكائن الحي تتعرض لتغيرات واختلافات دورية ثابتة في بعض المؤشرات الفسيولوجية. وتتأثر هذه التغيرات بدوران الأرض حول نفسها -دورة اليوم الواحد- وهذا الدوران هو المسئول عن الإيقاعات اليومية التي تحدث في وظائف الكائن الحي. أما التفسير الثاني فهو تفسير خارجي يذهب فيه العلماء إلى أبعد من ذلك، إذ أنه يشير إلى وجود عوامل خارجية تؤثر في الإيقاعات الحيوية للكائن الحي، وتعمل على فقد استقرار أنظمته، كما أنها تميل إلى استعادة الاتزان مرة أخرى. وهذا التفسير يفترض وجود علاقة بين وظائف أنظمة الكائن الحي، وبين الفلك من كواكب ونجوم. وهذه العلاقة هي التي تؤثر في إيقاعات الوظائف.

 - دورة الليل والنهار والإيقاع السيركادي:-

   لوحظ مدى تأثير الضوء على وظائف الكائنات الحية باعتباره مؤشراً للوقت. وهذا المؤشر هو الذي يضبط أو ينظم توقيت الإيقاعات السيركادية عند الكائن. ومع ذلك فهو ليس وحده المسئول عن التغيرات، لأنها تنشأ نتيجة تغير داخلي أيضاً متمثل في الساعة البيولوجية ذات الإيقاع الخاص. وقد لوحظ أيضاً من خلال تسجيل تبادل أو تعاقب أطوار الراحة والنشاط عند معظم الكائنات وجود ساعة إيقاعية ثابتة ودورية تمتد عبر الأربع والعشرين ساعة. بل تبين أيضاً أن العديد من الكائنات يتشابه في دورات الإيقاع هذه. فمثلاً يتشابه إيقاع الراحة والنشاط عند الإنسان بمثيله عند كل من الذباب والفئران، وإن كان طور النشاط يقع في أوقات مختلفة من اليوم.

   وفي الإنسان تتأثر العمليات الحيوية لديه بالدورة اليومية لليل والنهار. فهرمون النمو -المسئول عن عمليات البناء- يزداد تركيزه في الدم في أول الليل، بينما ينقص في نفس الوقت تركيز هرمون الكورتيزول المسئول عن عمليات الهدم. وهذا الهرمون يزداد تركيزه مرة أخرى في أول النهار. وتأتي التغيرات الهرمونية نتيجة التغير الدوري الذي يحدث كل أربع وعشرين ساعة في إشارات الهيبوثلاموس -الموجودة به الساعة البيولوجية- والذي يتحكم في إفراز الغدة النخامية، وبالتالي الغدة الكظرية، من خلال ما أسميناه بمحور الهيبوثلاموس النخامية الكظرية. بل إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فعندما يغير الفرد من دورة النوم واليقظة لديه -كالعمال الذين يعملون في نوبات عمل (ورديات)، أو لأي سبب آخر- تتغير لديهم هذه الدورة الخاصة بإفراز الهرمونات، فيلاحظ زيادة هرمون الكورتيزول في أول الليل، وينقص في أول النهار.

  وحرارة الجسم -التي ينظمها الهيبوثلاموس- تخضع أيضاً لإيقاع ثابت له دورة خاصة مقدارها أربع وعشرين ساعة، حتى وإن اختلفت إيقاعات النوم واليقظة. ففي أول الليل تنخفض درجة حرارة الجسم، بالإضافة إلى نقص معدل النبض والتنفس، وانخفاض ضغط الدم. ومع اقتراب النوم من نهايته تبدأ درجة حرارة الجسم في الارتفاع مرة أخرى، مع ما يصاحبها من زيادة هرمون الكورتيزول.

 وقد كان نظام حياة الإنسان اليومي طوال تطوره، أن يكون مستيقظاً ونشطاً بالنهار، وغير نشط ونائماً بالليل. ولكن في القرن التاسع عشر حدثت تغيرات حادة وسريعة مع اكتشاف إديسون Edison للإضاءة الصناعية (المصباح الكهربي). ومع زيادة قدرة الفرد على إضاءة ليله، وإطالة فترات السهر، أصبح قادراً على أن يكون نشطاً لفترة أطول أثناء الليل (الوقت الطبيعي للنوم)، فينام متأخراً، ويستيقظ متأخراً. وبالتالي تغيرت لديه العمليات الفسيولوجية التي كانت تعتمد على نظام النوم واليقظة السابق، قبل أن يصبح في مقدوره تغيير ساعات اليقظة والنوم.

   ويُعد هرمون الميلاتونين Melatonin الذي تفرزه الغدة الصنوبرية Pineal gland في المخ أحد العوامل المرتبطة بدورة النور والظلام. فهذا الهرمون يزداد إفرازه أثناء الليل، ويقل أثناء النهار. وإذا اضطرب الليل لأي سبب (حتى لو كان مجرد ضوء صناعي ينيره) فإن مستوى الميلاتونين يقل في الجسم. ويقل إفراز الهرمون مع تقدم السن، مما يؤدي إلى اضطراب عمليات النوم واليقظة التي نلاحظها عند ما يقرب من 50% من كبار السن الذين تخطوا الخامسة والستين. فبعضهم يقل عدد ساعات نومهم بشكل عام، والبعض الآخر تنقلب لديه دورة النوم واليقظة، فيقضي معظم نهاره نائماً ويستيقظ معظم الليل.

 - موقع الساعة البيولوجية:-

  تقع المنطقة المسئولة عن الساعة البيولوجية في الجسم في مجموعة خلايا الهيبوثلاموس التي تقع فوق منطقة التقاطع البصري Optic chiasma. وهذه الخلايا تستقبل إشاراتها من شبكية العين بطريقة مباشرة وغير مباشرة. وهي موردات عصبية ِAfferents تُحدث التزامن بين معلومات الضوء والظلام الخاصة بهذه الخلايا. وتُعد دورة الضوء والظلام هي العامل السائد والمنظم للإيقاع السيركادي على الرغم من أن بعض المؤشرات الاجتماعية تلعب دوراً هاماً في ذلك.  

 - مدة الساعة البيولوجية:-

   إن زمن الساعة البيولوجية ليس 24 ساعة بالضبط، وإنما يتراوح بين 5.24-75.24 ساعة. ولذلك فنحن نحتاج إلى إعادة ضبطها كل يوم لنظل في حالة اتصال مع العالم الخارجي، الذي تكون ساعته 24 ساعة. وفي عطلة نهاية الأسبوع عندما نتحرر من النظام اليومي الذي نتبعه طوال الأسبوع، فإننا نميل لأن نبقى في حالة يقظة لساعة متأخرة من الليل، أطول مما اعتدنا عليه، كما أننا نستيقظ متأخرين عن المعتاد. ومع انتهاء الإجازة، وبداية يوم العمل وحين تدق الساعة السابعة صباحاً، فإن ساعتنا البيولوجية تقول إنها الخامسة وليست السابعة.

  ولتوضيح هذه المسألة هب أن ساعة يدك تؤخر دقيقتين كل يوم. إنها لو استمرت على ذلك لتأخرت ساعة كاملة كل شهر. أي أنها ستبدأ في السير وفقاً لإيقاعها هي، وليس وفقاً لإيقاع ساعة العالم الخارجي. ويعني هذا أنها بدأت تسير بحرية Free running ، ومن ثم فأنت تحتاج إلى إعادة ضبطها يومياً حتى تتزامن مع العالم الخارجي، وإلا فالنتيجة أن ساعتك ليست على علاقة بالزمن الخارجي. إن الساعة البيولوجية مثل ساعة يدك لها إيقاع حر، وهي ليست 24 ساعة بالضبط، ومن ثم فيجب ضبطها يومياً.

 - هل هي ساعة بيولوجية واحدة ؟ :-

     قلنا أن للإنسان إيقاعاً سيركادياً ينظم عمليات النوم واليقظة، ومعدل الأكل والشرب، ودرجة حرارة الجسم، وإفرازات هرمونات معينة، وكمية التبول، والحساسية لبعض العقاقير، ومعدل التثاؤب، وغير ذلك من عمليات. فهل هذه الإيقاعات كلها تخضع لساعة بيولوجية واحدة أم توجد أكثر من ساعة؟.

   إن الإنسان توجد لديه ساعتان بيولوجيتان على الأقل. ففي العديد من التجارب التي تُرك للمفحوصين فيها حرية النوم واليقظة كيفما شاءوا -دون العلم بالتوقيت أو ظهور ضوء النهار- وُجد أن معظم هؤلاء المفحوصين ينامون ويستيقظون على إيقاع ساعة متوسطها 24-25 ساعة. مع وجود البعض الذين دخلوا في نظام ساعة مكونة من 29 ساعة يقظة، و21 ساعة نوم، أي أن يومهم بلغ 50 ساعة. ووفق هذه الساعة يظل معدل أكلهم وشربهم، وإفرازا تهم الهرمونية مرتبطاً بهذه الساعة الجديدة. بينما تظل درجة حرارة الجسم تسير وفق الساعة القديمة. فمن المعروف أن درجة حرارة الجسم ترتفع عند منتصف النهار أعلى من 37 درجة مئوية بقليل. كما أنها تنخفض في الليل لأقل من 36 درجة مئوية بقليل. ودرجة حرارة الجسم تتبع دورة إيقاعية زمنها 24-25 ساعة، حتى لو تغير إيقاع العمليات الأخرى مع دورة 50 ساعة. وهذا يعني أن هناك ساعتين تنظمان الإيقاعات الداخلية، واحدة تتحكم في تنظيم مستوى النشاط الحيوي،  والثانية تتحكم في تنظيم درجة حرارة الجسم. وتتأكد هذه الحقيقة من التجارب التي أجريت على القردة، وتم فيها إصابة أجزاء معينة من الهيبوثلاموس، فكانت النتائج تشير إلى اضطراب الإيقاع السيركادي للطعام والشراب، دون أن يتغير الإيقاع السيركادي لدرجة الحرارة.  

 - النوم بوصفه إيقاعاً بيولوجياً:-

  نحن لا نستطيع أن نهرب تماماً من تأثير كل من الليل والنهار على عملياتنا الحيوية، حتى لو لم نستعمل أي أدوات للوقت، أو عشنا في عزلة لا نستطيع فيها معرفته. إننا عادة نتعرف على الوقت من خلال ضوء النهار، وأصوات الطبيعة، والضجيج الحادث في البيئة من حولنا. وحتى لو أننا عشنا في عزلة عن هذه المثيرات كلها، فإن الأمر لن يتغير كثيراً بالنسبة لساعتنا البيولوجية التي تعمل وفق أطوارها الخاصة.

   وبعضنا يلاحظ على نفسه أنه أكثر نشاطاً في ساعات معينة من اليوم، وأكثر كسلاً وخمولاً في ساعات أخرى. بل إننا في بعض الأحيان لا نستطيع أن نغالب الرغبة في النوم بغض النظر عما قضيناه من ساعات النشاط. فدورة اليقظة والنوم تكاد تأخذ إيقاعها بشكل منتظم لدى كل فرد. وليست المسألة متوقفة على هذه الدورة من تبادل النشاط والراحة، ولكن النوم نفسه يأخذ إيقاعاً ذاتياً حيث يمر بمراحل ثابتة، يتغير فيها رسام المخ الكهربي الذي يعكس نشاط المخ. وهذه المراحل تكاد تكون ثابتة عند كل الأفراد، ويبلغ عددها أربع مراحل تتناوب فيما بينها، ويختلف في كل مرحلة منها طبيعة النشاط البيولوجي للنائم. ومن هذه المراحل مرحلة تسمى بمرحلة حركة العين السريعة (ح.ع.س) حيث تحدث فيها حركة في عضلات العين. وهذه المرحلة هي التي تحدث فيها الأحلام، ولا تحدث في بقية المراحل الثلاثة الأخرى. وتستغرق مراحل النوم الأربعة 90 دقيقة، تتكرر أثناء فترة النوم بشكل شبه ثابت.

   والإنسان يولد مزوداً بنشاط إيقاعي سيركادي (24 ساعة)، ولكنه يتولد لديه نشاط إيقاعي آخر لو استمرت حياته داخل كهف مثلاً، أو عاش في بيئة صناعية تعزله عن ضوء الشمس، أو أي مؤشرات أخرى للوقت. والواقع أن وجود مؤشرات أخرى للوقت في غياب الضوء، قد يجعل الإيقاع الداخلي حراً. فالشخص الكفيف يصرح بأنه في بعض الأحيان ينام ويستيقظ بشكل طبيعي. ولكنه في أحيان أخرى قد يشعر بالنوم معظم أوقات النهار، أو يظل يقظاً معظم ساعات الليل.

   وقد شغلت قضية انتظام النوم واليقظة، أو أطوار الراحة والنشاط، ومدى تأثرها بدورة الليل والنهار فكر العلماء. وقد استطاع يورجن أسكوف J. Aschoff وروتجر ويفر R. Wever في معمل الفسيولوجيا السلوكية في بافاريا أن يدرسا تأثير غياب معرفة الوقت عن الفرد، فيما يتعلق بدورات النوم واليقظة لديه. وقد قاما بتعديل تصميم أحد قطارات النوم المهجورة بالقرب من مدينة ميونيخ، ليحولاه إلى محطة أبحاث تجريبية خاصة بأبحاث النوم. وقد وضعا تصميماً تجريبياً يسمح بأن يعيش الفرد داخل إحدى غرف القطار معزولاً عن غيره من الأفراد. بل وعن ضجيج كل الأصوات التي تحدث في البيئة من حوله. وفي نفس الوقت يتمتع بكل وسائل الراحة في هذه الغرفة.

   وكانت تجارب آسكوف وويفر تعتمد على حرمان الفرد المشارك في التجربة من أي أداة أو وسيلة تمكنه من معرفة الوقت. كما يتم وضع أدوات ومقاييس خاصة تمكنهما من دراسة ما يطرأ على الفرد من أوجه النشاط المختلفة أثناء إجراء التجربة, وذلك مثل الاختبارات النفسية، ومقياس درجة حرارة الجسم (الثيرمومتر)، وتحليل تركيب البول لمعرفة ما يطرأ عليه من تغيرات كيميائية وهرمونية. ويتم قياس كل هذه المتغيرات بصفة دورية دون أن يحدث اتصال مباشر بين الباحثين والمشاركين في التجربة.

   وقد أشارت نتائج معظم الدراسات التي قاما بها في هذا المجال أن دورة النوم واليقظة لدى الأفراد المشاركين يطرأ عليها تغيرات تختلف باختلاف الفترة التي تستغرقها التجربة. ويبدأ الاختلال في اليوم الأول في صورة توجه الفرد إلى النوم في ساعة متأخرة، ويصحو في ساعة متأخرة كذلك، بحيث يصبح اليوم الذاتي عند المشارك في التجربة مختلفاً عن اليوم الطبيعي. فهو لا يتألف من الأربع والعشرين ساعة، بل يتألف من خمس وعشرين ساعة. ومع استمرار فترة التجربة لعدة أسابيع يحدث مزيد من التغير في إيقاع اليوم. وتزيد دورة النوم واليقظة بمعدل اثنتي عشرة ساعة. بل إن فترات اليقظة لدى المفحوص تزداد من سبع عشرة ساعة (وهو ما يحدث في الأيام العادية بعيداً عن التجربة) إلى ما يقرب من أربع وثلاثين ساعة. كما تزداد فترة النوم من ثماني ساعات تقريباً (فترة النوم المعتادة) إلى ما يقرب من سبع وعشرين ساعة.

   وبمعنى آخر فإن المفحوص ينتقل أثناء التجربة من اليوم المكون من 24 ساعة، إلى يوم تجريبي يتألف من 50 ساعة، دون أن يدرك حجم التغير الهائل الذي حدث في إيقاع النوم واليقظة لديه. فاليوم بالنسبة له مازال هو نفس اليوم، ونظراً لعدم معرفته بالوقت فإن كل ما يعرفه أنه نام وأستيقظ. ودورة النوم واليقظة هذه هي كل ما يمثل اليوم لديه. وبانتهاء التجربة يكون عدد الأيام التي عاشها المفحوص، وأعرب عن إحساسه بها أقل بكثير من عدد الأيام الفعلية التي استغرقتها التجربة.

   ومن النتائج المثيرة للدهشة في تجارب آسكوف وويفر أن إيقاع النوم واليقظة يكاد يكون بنفس النسبة (1:2) مهما كان طول اليوم التجريبي (24 أو 36 أو 50 ساعة). بمعنى أن المفحوص ينام في ظل اليوم المكون من 24 ساعة ثمان ساعات ويستيقظ من 16-17 ساعة. وفي اليوم المكون من 50 ساعة ينام 17 ساعة ويستيقظ 34 ساعة. وتشير هذه النتيجة إلى أن إيقاع النوم واليقظة ثابت عند كل الأفراد، ويحتفظ بإيقاعه الخاص ثابتاً بدرجة عالية الدقة.

   وقد لوحظ أن إيقاع النوم يتناسب عكسياً مع درجة حرارة الجسم. فالميل للنوم يكون عالياً عندما تصل درجة حرارة الجسم إلى أدنى مستوياتها اليومية. ويكون الميل منخفضاً عندما تصل درجة حرارة الجسم إلى نهايتها العليا. ولذلك فإن الميل للنوم لا يرتبط بزيادة عدد الساعات التي قضاها الفرد مستيقظاً أو نشيطاً، وإنما يرتبط بعملية داخلية مستقلة، ويتأثر بها تأثراً بالغاً، وهي التي تحدد الموعد الذي ينبغي علنا أن ننام فيه. وكل منا يلاحظ زيادة الرغبة في السهر في أيام الصيف إلى ساعات متأخرة من الليل، تصل بالبعض إلى الساعات الأولى من الفجر. كما نلاحظ أننا نميل في أيام الشتاء إلى النوم المبكر، بل وتزداد الرغبة في استمرار النوم مع استمرار انخفاض درجة حرارة الجو.

 - مظاهر إضطراب إيقاع النوم واليقظة:-

  يمكن النظر للأهمية الوظيفية للإيقاع السيركادي من خلال منظورين متطورين على علاقة ببعضهما البعض. الأول أن الإيقاع السيركادي يمكّن الكائنات الحية من تزامن Synchronization أنشطتها مع فترات التأرجح الحرجة التي تحدث في البيئة الفيزيقية. والثاني أنها تنظم البيئة الداخلية مما يحقق تزامناً للعمليات الداخلية. وبالطبع فإن التزامن الخارجي ذو أهمية خاصة لبقاء الكائنات الحية، ويشير إلى أن الكائن الحي يقوم بالشيء المناسب في الوقت المناسب من اليوم. وهذه الساعة البيولوجية تعتبر مثل قائد الأوركسترا السيمفوني الذي يعمل على تناغم كل أفراد الفرقة، بمعنى أنها الوسيلة التي تحافظ على تناغم واتساق وتآزر العمليات البيولوجية الداخلية.

   وتشير الملاحظات الإكلينيكية العديدة إلى أن تأثير تغير التنظيم الوقتي للساعة البيولوجية يرتبط بالعديد من مظاهر الاضطراب الجسمي والذهني. كما يرتبط سوء التزامن بين الكائن الحي والبيئة الخارجية باضطراب البيئة الداخلية، مما يؤدي إلى مشاكل مزمنة لها آثارها الشديدة على الصحة، وحياة الكائن الحي.

   والتغير في منظومة النوم واليقظة يُعد مؤشراً حساساً للتغيرات التي تحدث في الوظيفة السيركادية، حتى لو كان النوم طبيعياً. فاضطراب الموعد الطبيعي للنوم واليقظة يمكن أن يسبب أرقاً أو رغبة في النوم، أو زيادة في ساعات النوم أثناء النهار، مما يؤدي إلى شعور بالإجهاد والتعب والوهن. ويمكن توضيح مظاهر اضطراب إيقاع النوم واليقظة من خلال الإضطرابات التالية:-

1- تخلف النفاثة: Jet lag

  من المظاهر الهامة الإضطرابات دورة النوم واليقظة ما يُطلق عليه (تخلف النفاثة) Jet lag  الذي ينتج من السفر السريع بالطائرة نحو الشرق أو الغرب، حيث يزداد فرق التوقيت بين ما كان عليه الفرد قبل سفره، وما هو مُقبل عليه الآن. ويعني هذا أن السفر السريع بالطائرة من المشرق إلى المغرب يؤدي إلى تغير أو تخلف في الإيقاع الخاص بالنوم واليقظة، حيث تظل العمليات البيولوجية تعمل وفق الزمن الذي كانت عليه، أي أنها تتخلف عن العمل وفق الزمن الجديد في المغرب. وفي مثل هذه الحالات يقطع الناس مناطق الزمن Time zones على نحو سريع، لم تتكيف معه العمليات الحيوية بعد.

   ونظراً لأن الساعة البيولوجية تميل لأن تسير أبطأ من 24 ساعة، فإن معظمنا يجد من السهولة عليه أن يتوافق ويتكيف مع المرور بمناطق الزمن كلما اتجهنا غرباً، أكثر من توافقنا لو اتجهنا شرقاً. فالذهاب ناحية الغرب يطيل علينا النهار، بينما الاتجاه شرقاً يطيل علينا الليل. أو بمعنى آخر يؤدي الاتجاه غرباً إلى إطالة اليوم، بينما يقصر اليوم في حالة الاتجاه شرقاً. ولذلك فإننا إذا ذهبنا ناحية الغرب نظل في حالة يقظة أطول أثناء الليل في هذه المناطق، ونستيقظ متأخرين في الصباح أكثر مما أعتدنا عليه في منازلنا قبل السفر. أما الذهاب شرقاً فيجعلنا نميل للنوم مبكرين، وكذلك نستيقظ مبكرين أيضاً. وهو نفس الشيء تقريباً الذي يحدث أثناء الشتاء حيث يطول الليل وننام مبكرين عما اعتدناه في الصيف.

   وفي إحدى التجارب الخاصة بتجارب السفر عبر مناطق الزمن أبدى المفحوصون العديد من المشاكل، وعدم الراحة النفسية، والنوم غير المشبِع، بعد أن تجاوزوا 7 مناطق زمنية تجاه الشرق. واستغرقوا ما يقرب من 11 يوماً للعودة مرة أخرى للنظام المعتاد. بينما لم تحدث أي مشاكل مزعجة عند تجاوز 7 مناطق زمنية تجاه الغرب. وهذا يعني أن الساعة البيولوجية تعمل بشكل متوافق إذا طال اليوم (الاتجاه ناحية الغرب) أفضل من حالتها إذا قصر اليوم (الاتجاه ناحية الشرق).

   وبشكل عام فإن اضطراب دورة النوم واليقظة نتيجة تغير مناطق الزمن، يؤدي إلى اضطراب الإيقاعات السيركادية لبعض الوقت. وأوضحت معظم الدراسات التي أُجريت في هذا المجال أن الأمر يتطلب ما يقرب من الأسبوعين حتى تتوافق الإيقاعات بشكل كامل مع التغير الحادث في الزمن، أو مع التوقيت الجديد.

2- نوبات العمل:-

  هناك مجموعة أخرى من الأفراد الذين يتعرضون لمشاكل عدم تزامن ساعاتهم البيولوجية مع دورة الليل والنهار، وهم عمال نوبات العمل Work shifts أو ما يُطلق عليهم عمال (الورديات). وهم الذين يعملون في نوبات عمل تختلف عن مواعيد العمل اليومية المعتادة. وتشمل هذه المجموعة قائدي الطائرات، والأطباء، وعمال المصانع، وكل من يعمل في مجال يتطلب العمل 24 ساعة. ومثل هؤلاء الأفراد يضطرون إلى تغيير إيقاعاتهم بشكل كبير. فمرة يعمل أثناء الليل، ومرة أخري يعمل في الصباح، ومرة ثالثة يعمل في منتصف اليوم. وفي كل مرة عليه أن يمارس نظاماً مختلفاً من النشاط الذي قد لا يتوافق مع التوقيت الطبيعي لهذا النشاط. فقد يعمل ويظل نشطاً طوال الليل (وقت الراحة الطبيعي)، وينام بالنهار (وقت النشاط الطبيعي) وقد يستمر هذا الوضع لمدة أسبوع. وما أن تتأقلم ساعته البيولوجية مع التغير الحادث في دورة النوم واليقظة، سرعان ما يُغير من نوبة العمل فيعمل بالنهار وينام بالليل، وهكذا.

   وهؤلاء الأفراد يعانون أكثر من اؤلئك الذين تختلف إيقاعاتهم نتيجة تغير مناطق الزمن (المسافرين) ذلك لأن المسافرين تتغير إيقاعاتهم بشكل مؤقت سرعان ما ينتظم مرة أخرى، وتتوافق بعدها مع التوقيت الجديد. بينما عمال نوبات العمل لا يستقرون على مواعيد ثابتة، ويتغير الإيقاع لديهم كثيراً، ولذلك نجد شكاواهم الجسمية والنفسية أكثر حدوثاً وتكراراً.

   وتنشأ شكوى هؤلاء الأفراد نتيجة اضطراب الإيقاع، إذ أن ساعاتهم البيولوجية تكون مبرمجة للنشاط مثلاً، بينما هم في وقت ينبغي عليهم النوم فيه. أو تكون مبرمجة للراحة والنوم، بينما هم في حالة يقظة، وعليهم العمل في هذه الفترة. إن التغير المفاجيء في ساعات العمل تتغير معه إيقاعات الجسم الآيضية (الخاصة بالتمثيل الغذائي) والهرمونية أيضاً. ففي الوقت الذي تكون الساعة البيولوجية معدة للنشاط (زيادة درجة حرارة الجسم، وزيادة مستوى الأدرينالين في الدم، ونقص هرمون الميلاتونين ..إلخ) يكون على الفرد أن ينام. ونتيجة هذا الاختلاف بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون، ينتج التعب، وسرعة الشعور بالإرهاق، ونقص القدرة على التركيز،  وفقد القدرة على المبادأة، وهبوط مستوى الأداء بشكل عام، وتقل القدرة على الإنجاز. فهؤلاء الأفراد يضطرب نومهم بشكل كبير، وبعضهم يجد صعوبة في النوم المستمر، والبعض الآخر لا يستطيع الحصول على كفايته من النوم. ويؤدي هذا النقص المتراكم في كمية النوم إلى العديد من المشكلات التي ترتبط وطبيعة العمليات البيولوجية التي تختلف باختلاف النوم واليقظة.

   وبعض الناس يستطيعون ضبط ساعاتهم البيولوجية بسهولة، بينما لا يستطيع البعض الآخر ذلك. وهؤلاء يعانون من الأرق في النوم والذي قد يستمر لمدة عام. فهم لا يستطيعون النوم حتى ساعة متأخرة من الليل، كما لا يستطيعون الاستيقاظ إلا في ساعة متأخرة من النهار. ولا تقدم لهم الأقراص المنومة إلا حلاً مؤقتاً. ويكون الحل الفعّال أن يقطعوا بعض الساعات في العمل، ثم يذهبون للنوم، ثم يؤخرون موعد النوم من 2-3 ساعات كل ليلة حتى يعود نومهم إلى صورته الطبيعية.

 الساعة البيولوجية الكبرى

(The grand biological clock)

  إذا كانت الساعة البيولوجية تعمل على تنظيم العمليات الفسيولوجية خلال أربع وعشرين ساعة فقط، فإن هناك ساعة أخرى تنظم إيقاع هذه العمليات طوال فترة حياة الفرد. بل إنها تحدد بإيقاعها عمر الكائن الحي. فهي تتحكم في الإيقاعات البيولوجية من حيث السرعة والبطء، ومن حيث علاقتها بفترات زمنية مختلفة من حياة الفرد. إنها الساعة البيولوجية الكبرى، التي توجد بالهيبوثلاموس أيضاً.

   وكما سبق وأشرنا فإن الساعة البيولوجية الكبرى تعتمد -مثل الساعة البيولوجية- على نفس مبدأ التغيرات الحادثة في إيقاع العمليات الحيوية، ومع ذلك فهي لا تقيس هذا الإيقاع، وإنما تقيس فقدانه. إنها تسير في اتجاه واحد هو الفقدان التدريجي للإيقاع، وكلما سارت ببطء كلما قلت أو تأخرت عملية كبر السن Aging process. أنها تعمل على قياس إيقاع الأنظمة الهوميوستازية الأساسية للكائن الحي. ويمكن أن نحكم على هذه الساعة بطريقة ما من التغير الذي يحدث في مجموعة من المؤشرات التي تعكس عمليات الإتزان الأساسية لدى كبار السن. فعلى سبيل المثال تعني زيادة نسبة الكوليستيرول في الدم زيادة فرصة الإصابة بمرض تصلب الشرايين Atherosclerosis الذي يصيب كبار السن، والذي تعني الإصابة به انخفاض العمر المتوقع، لكونه يرتبط بالعديد من الأمراض الأخرى كالذبحة الصدرية، وجلطة المخ ..إلخ. وكل هذه التغيرات تعني أن عمر الفرد قد أخذ في النقصان. فمن المسئول عن مثل هذه التغيرات التي تحدث في فترات عمرية معينة؟ أنها الساعة البيولوجية الكبرى.

   وتتحدد الدورة الكاملة للساعة البيولوجية الكبرى -الحد الأقصى لعمر الفرد- ليس فقط بالعمليات المنظمة لكبر السن، ولكنها تعتمد كذلك على ما يحدث من تغيرات على مستوى الخلايا. وقد لوحظ أن نمو الفرد يكاد يتوقف تقريباً ما بين سن 20-25 عاماً، وأن معدل الوفيات والإصابة بالأمراض الخطيرة في هذه المرحلة العمرية يكون منخفضاً للغاية. وبعد هذا السن تبدأ العديد من التغيرات الفسيولوجية المرضية المرتبطة بتقدم العمر، والتي تختلف عن التغيرات التي سبقت هذه المرحلة.

   ومن أمثلة هذه التغيرات نقص تكوين الموصلات الكيميائية اللازمة للتوصيل العصبي في المخ، والتي تنقل الإشارات العصبية بين الجهاز العصبي وبقية أجزاء الجسم. وينخفض تبعاً لذلك تركيز هذه الموصلات، وعدد المستقبلات التي تعمل عليها، وخاصة في منطقة الهيبوثلاموس المسئول عن تنظيم الإيقاع اليومي، بل والعمري للعمليات الحيوية، باعتبار أن كلاً من الساعة البيولوجية، والساعة البيولوجية الكبرى توجدان فيه.

 - الساعة البيولوجية الكبرى في الذكر والأنثى:-

  من المعروف أن الإناث في جميع الكائنات الحية -بما فيها الإنسان- تعيش فترات عمرية أكبر من الذكور، فهل يمكن تفسير هذه المسألة في ضوء الساعة البيولوجية الكبرى باعتبارها المسئولة عن الحد الأقصى لعمر الفرد؟.

   للإجابة على هذا السؤال دعنا نستعرض معاً دور كل من الذكر والأنثى في وظيفة التناسل والتكاثر، باعتبار أن هذه الوظيفة تأخذ إيقاعاً دورياً، وتعتمد على دور الهيبوثلاموس أيضاً في تنظيمه لهرمونات الذكورة والإنوثة عن طريق الغدة النخامية. وكما ذكرنا من قبل فإن الجهاز التناسلي في كل من الذكر والأنثى يعتمد في عمله على ثلاث مناطق هامة هي الهيبوثلاموس، والغدة النخامية، والغدد الجنسية (المبيضين والخصيتين). فالهيبوثلاموس يفرز الهرمون المُطلِق للجونادوتروبين (Gonadotropin Releasing Hormon) الذي ينشط الغدة النخامية لإفراز الهرمون المنشط للغدد الجنسية، وهذا الهرمون الأخير ينشط بدوره الغدد التناسلية لإفراز هرموناتها (الإستروجين، التيستوستيرون).

   وهذه العملية يتحكم في أجزائها الثلاثة منظومة التغذية المرتجعة السالبة. والحقيقة أن الهرمونات الجنسية على وجه الخصوص تستطيع كف نشاط الهيبوثلاموس، وبالتالي كف إفراز الجونادوتروبين. ومع ذلك فإن الجهاز التناسلي للإنسان لا يُعد جهازاً مستقراً أو ثابتاً، إذ أن الإنسان يولد وجهازه التناسلي غير ناضج أو مكتمل الوظيفة، وإنما ينضج مع تقدم العمر. فالهيبوثلاموس يتميز منذ الولادة بحساسية خاصة للتأثير الكاف والمانع للهرمونات الجنسية التي تفرزها الغدد الجنسية الغير مكتملة النضج. وبالتالي فإن مركز الجنس Sex center في الهيبوثلاموس يكون مكفوفاً inhibited عن طريق التغذية المرتجعة السالبة التي تربط بينه وبين الغدد الجنسية. وبالتالي فهو لا ينشط الغدة النخامية لإفراز الهرمونات المنشطة للغدد الجنسية، ومن ثم يظل الجهاز التناسلي في حالة كمون وهدوء حتى مرحلة البلوغ. ومع الزمن تقل حساسية الهيبوثلاموس للهرمونات الجنسية، أي تزيد عتبة الإحساس لخلايا مركز الجنس، ونتيجة لذلك يحتاج الهيبوثلاموس لكميات عالية من هذه الهرمونات كي يتأثر بها. فلماذا تصبح زيادة عتبة الهيبوثلاموس -نقص حساسيته- هي مفتاح تطور الجهاز التناسلي؟.

   إن النضج الجنسي يتوقف على المنظومة السيبرنطيقية التي تتكون من جهاز مُنظِم Regulator وغدة عاملة، يرتبطان بالتغذية المرتجعة السالبة. وبالتالي تصبح زيادة حساسية الجهاز المنظِم -الهيبوثلاموس- هي الطريقة الوحيدة لزيادة قدرة الجهاز التناسلي، وبالتالي الحفاظ على منظومة التغذية المرتجعة. وزيادة نشاط الغدة العاملة -الغدد الجنسية- يزيد من تركيز الهرمونات الجنسية في الدم، ويؤدي ذلك إلى كف المنظِم.

   وإذا نظرنا إلى عملية التناسل أو التكاثر لدى الإنسان، نجد أن عملية الإخصاب تتحدد فقط بدور الأنثى نظراً لأن خروج البويضة مرتبط بنظام دوري (مرة كل شهر). وفي الفترات التي لا تخرج فيها البويضة يصبح من المستحيل حدوث الإخصاب. وهذا الأمر عكس ما يحدث في الذكر، إذ أن حيواناته المنوية موجودة ومتاحة في أي وقت. ويتطلب الإخصاب على هذا النحو وجود تنظيم إيقاعي دقيق في الاتزان التناسلي عند الأنثى. أي يحتاج إلى أن يكون المُنظِم المركزي -الهيبوثلاموس- على درجة عالية من الحساسية للهرمونات الجنسية الأنثوية، التي تشارك في عملية التغذية المرتجعة، وتحافظ على النشاط الإيقاعي الدقيق لهذا الجهاز.

   أما في الذكر فإن اتزان الجهاز التناسلي لديه يقوم بعملية مختلفة تماماً عما يحدث لدى الأنثى. فهو يتطلب ضرورة استمرار مشاركته في عملية الإخصاب، بتوفر الحيوانات المنوية في أي لحظة، للتغلب على تلك الصعوبة الموجودة لدى الأنثى، والمتمثلة في عدم إمكانية الإخصاب في أي وقت نظراً للخروج الدوري للبويضة. ومن ثم يحتاج الأمر إلى وجود حيوانات منوية تستطيع القيام بعملية الإخصاب حال حدوث التبويض في أي لحظة. وتتحقق عملية مشاركة الجهاز التناسلي لدى الذكر في هذه المسألة من خلال النضج المستمر للخلايا الجنسية لديه (نضج مستمر لخلايا الخصيتين). ولذلك فإن الذكر يستطيع أن يشارك أكثر من أنثى لديها الاستعداد لعملية الإخصاب (تمتلك بويضة)، وفي أوقات مختلفة لأنه جاهز لهذه العملية في أي وقت.

   وهذه الوظيفة المستمرة للجهاز التناسلي للذكر -حتى مع الكبر- تتم من خلال ارتفاع حساسية عتبة الإحساس لخلايا مركز الجنس في الهيبوثلاموس، للتأثير الكاف والمانع لهرمون التيستوستيرون. أو بعبارة أخرى يصبح من الضروري ألا يتأثر الهيبوثلاموس بزيادة هرمون الذكورة في الدم، حتى يسمح للخلايا الجنسية في الخصيتين باستمرار عملية الانقسام لإنتاج الحيوانات المنوية. أي ينخفض ميكانيزم التغذية المرتجعة للسماح لهذه العملية بالاستمرار. إذ أنه لو لم تزد عتبة الإحساس في الهيبوثلاموس، فإنه سيتأثر بالهرمونات الذكرية الموجودة في الدم، ومن ثم يقلل من إفراز الجونادوتروبين، وبالتالي يقل نشاط الخصيتين، ويقل معها إنتاج الحيوانات المنوية، وهو الأمر الذي يجعل هناك صعوبة في حدوث عملية الإخصاب في أي وقت. ونظراً لهذه الزيادة في عتبة الهيبوثلاموس ينحرف الاتزان الهوميوستازي التناسلي بغرض الحفاظ على قوة هذا الجهاز، وبالتالي استمرار قدرة الذكر على التناسل حتى آخر العمر، عكس الأنثى التي تتوقف قدرتها على ذلك ببلوغ سن اليأس، وتوقف التبويض لديها.

   وفي ضوء ما ذكرناه آنفاً نجد أن تأثير كل من الهرمونات الجنسية والأنثوية على الهيبوثلاموس بختلف في الجنسين، بل ويختلف أيضاً التأثير على عمليات التمثيل الغذائي في الجسم كله. فالهرمونات الذكرية تلعب دوراً هاماً في تكوين الخصائص الجنسية للهيبوثلاموس نفسه، إذ أن الكائن الحي يبدأ حياته دون وجود مركز جنسي محدد للنوع Sexless sex center. وهذا المركز  يملك إمكانية العمل بوظيفة أنثوية (سواء في الذكر أو في الأنثى) أي العمل بوظيفة إيقاعية Rhythmic. ومركز الجنس في الذكر يصبح ذكرياً فقط تحت تأثير هرمونات الذكورة التي يفرزها الذكر غير الناضج، ومن ثم يبدأ في العمل بصورة مستمرة ولاإيقاعية Nonrhythmic. وهذا الفقدان للإيقاع هو المسئول عن كبر السن المبكر في الذكور إذا ما قارناهم بالإناث.

   وقد ثبت بالتجربة على الحيوانات أن حقن هرمون التيستوستيرون في الأنثى غير الناضجة في أيامها الأولى من العمر، يؤدي إلى أن يعمل الهيبوثلاموس كنموذج ذكري طوال حياتها، بمعنى أنه سيعمل بنمط لا إيقاعي. كما وجد أن هذه الإناث المحقونة تتزايد لديها احتمالية الإصابة بالأورام عند وصولها لسن البلوغ، ويعني هذا حدوث سرعة في إيقاع النمو في اتجاه كبر السن، نظراً لأنها تتبع الآن نمطاً ذكرياً لاإيقاعياً.

   وتبعاً للقوانين البيولوجية فإن مسألة كبر السن هذه تحدث بشكل مختلف تماماً عند كل من الذكور والإناث. فالنشاط الإيقاعي للجهاز التناسلي للأنثى يمتد من سن 12-50 سنة تقريباً. وتتوقف الوظيفة التناسلية لديها (سن اليأس) عندما تتزايد عتبة الإحساس في الهيبوثلاموس، بما يؤدي إلى اضطراب التنظيم الذاتي لها. ولذلك فإن هذه الزيادة تختصر فترة التناسل لدى الأنثى في المدة السابقة. أما الذكر فلا توجد لديه هذه المسألة، مما يعنى عدم وجود سن يأس بالنسبة له، ولا يوجد لديه الميكانيزم الذي يوقف القدرة على التناسل مع كبر السن.

  ومع كبر السن تحدث تغيرات هامة في الكائن الحي تعكس اضطراب الاتزان والاستقرار لديه. وهذه التغيرات تختلف في الذكور والإناث. إن هرمون الأنوثة (الإستروجين) يمنع هرمون النمو من تحريك الأحماض الدهنية من مناطق تخزينها في الأنسجة الدهنية. ومن ثم تُصبح لهذا الهرمون القدرة على تخفيض محتوى الكوليستيرول في الدم (ينتج من زيادة نسبة الدهون وأحماضها في الدم). وبالتالي تنقص إحتمالية تصلب الشرايين التي تعد -كما ذكرنا- علامة على كبر السن. ويلاحظ نقص نسبة السكر والكوليستيرول في الدم عند المرآة في سن 30-39 سنة، وهذا النقص يمكن اعتباره مؤشراً لمرحلة الاتزان والاستقرار لديها.

   أما في الذكر فإن هرمون الذكورة (التيستوستيرون) لا يؤدي إلى حالة الاستقرار هذه. فمع كبر السن تحدث زيادة في مستوى كل من الكوليستيرول والإنسولين في الدم. وكل منهما يُعد عاملاً حاسماً في إحداث تصلب الشرايين. وهذا ما يفسر انخفاض السن الذي يحدث فيه تصلب الشرايين عند الذكور مقارنة بالإناث اللائي يحدث لديهن نفس المرض بفارق عشر سنوات تقريباً.

   إن هناك إختلافاً جوهرياً في الوقت الذي يحدث فيه عدم الاستقرار وعدم الاتزان لدى كل من الذكور والإناث. وبالتالي يوجد  اختلاف في الوقت الذي تحدث فيه الأمراض التعويضية Diseases of compensation. فقد لوحظ أن إزالة الرحم (بالإضافة إلى المبيضين) من الأنثى التي لم تصل إلى سن الأربعين، يؤدي إلى زيادة فرصة حدوث تصلب الشرايين. بمعنى أن الاتزان الذي كان قائماً في سن 30-39 نتيجة تأثير الهرمون الأنثوي، قد بدأ  يُفقد أو يختل. ومن ثم تضطرب عمليات التمثيل الغذائي، وبالتالي ظهور الأمراض التي نسميها بالأمراض التعويضية، لأنها محاولة من قِبل الجسم لتعويض الاتزان المضطرب. لقد توقف الجهاز التناسلي عن العمل نتيجة لقانون انحراف الهوميوستازيس، وأصبح الآن كما لو كان جهازاً طفلياً، مع الاستثناء في أن عملية كبر السن قد بدأت.

   وعند سن السبعين نجد زيادة متشابهة في الإنسولين عند كل من الذكر والأنثى، مما يعني نهاية تباطؤ الساعة البيولوجية الكبرى، وقربها من نهايتها بعد أن كانت مستقرة من قبل. وتصبح نسب الوفيات عند كل من الذكور والإناث واحدة عند سن السبعين.

   إذن نخلص مما سبق أن الساعة البيولوجية الكبرى تختلف عند الذكور عنها عند الإناث. وهذا الاختلاف يؤدي إلى اضطراب بعض العمليات الحيوية نتيجة اضطراب الدور التنظيمي للهيبوثلاموس. وهذا الاضطراب ينشأ من زيادة أو نقص عتبة الإحساس الخاصة به. ويمكن تلخيص ما يطرأ على الهيبوثلاموس من تغير يتمثل في نقص الموصلات الكيميائية فيه مما يعني زيادة عتبة الإحساس. وبالتالي يقل تأثره بالهرمونات الخاصة بالغدد الطرفية التي ينظم عملها عن طريق الغدة النخامية. كما يقل عدد المستقبلات فيه مما يؤدي إلى اضطراب الاتزان. وتسمى هذه الحالة بانحراف الهوميوستازيس Deviation of Homeostasis الذي لم يعد يحقق الاتزان المطلوب. وهذا الانحراف يُعد عملية طبيعية أو مرضاً طبيعياً Normal disease يرتبط بكبر السن. 

 Home ] Up ] صور البيولوجي ] ف4- طرق دراسة الوراثة ] [ ف7- الساعة البيولوجية ] المراجع ] صور الوراثة ] صور أنسجة وأجهزة الجسم ] ثبت المصطلحات ] ف3- العمليات الوراثية ] مقدمة الطبعة الأولى ] ف8- السواء والمرض ] ف6- الاتزان البيولوجي ] ف5- الشخصية ] ف2- أنسجة وأجهزة الجسم ] ف1- الخلية الحية ]