Home Up الكتب المنشورة مواقع هامة في المجال السيرة الذاتية منتدى الأعصاب والطب النفسي مواقع عربية ونفسية الأبحاث العلمية

  ف4- طرق دراسة الوراثة

الفصل الرابع- طرق دراسة الوراثة 

  بعد تناولنا للعمليات الوراثية المختلفة، وتأثيراتها على تكوين الفرد يصبح من الضروري علينا أن نتناول الطرق والمناهج المستخدمة في دراسة أثر العوامل الوراثية على الشخصية. وهذه الطرق أستخدمها الباحثون في مجال الوراثة بغرض دراسة المتغيرات الوراثية بطرق منتظمة ومضبوطة، ووفق المنهج العلمي الدقيق. ولم يتم ذلك بغرض دراسة أثر هذه العوامل على الشخصية فحسب، بل لوضع معايير تنبؤية بسلوك الفرد وفق مخصصاته الوراثية من خلال ما يعرف بالمؤشرات البيولوجية Biological markers أو مؤشرات الاستهداف للإصابة بمرض ما Vulnerability markers.

 

  ونود أن نشير إلى أن دراسة الوراثة في الإنسان تعد عملية شاقة، يكتنفها الكثير من المصاعب نظراً لأن الإنسان يتميز ببطء النسل، مقارنة بغيره من الكائنات، كما يصعب التجريب فيه. بالإضافة إلى أن معظم العائلات لا تتوفر لها سجلات وراثية تساعد في دراستها.

   وتشمل طرق دراسة أثر العوامل الوراثية ما يلي:-

1- دراسات الأسرة.

2- دراسات التوائم.

3- دراسات التبني.

 أولا- دراسات الأسرة

(Family studies)

  تُعد دراسات الأسرة من المناهج المستخدمة في دراسة توارث الصفات الجسمية والعقلية والنفسية، وانتقال هذه الصفات عبر الأجيال داخل الأسرة الواحدة. وتسمى هذه الطريقة في بعض الأحيان بسجل النسب الوراثي أو شجرة العائلة Family Pedigree. وهذا السجل الوراثي يتتبع الصفات الوراثية وآثارها على مدى عدة أجيال متتالية داخل العائلة الواحدة. كما يهدف أيضاً إلى تتبع بعض الصفات أو الأمراض والعيوب الوراثية، والتنبؤ باحتمال ظهورها في الأجيال التالية.

  وفي دراسات الأسرة عامة يتم عمل سجل النسب الوراثي باستخدام مجموعة من الرموز تشير إلى أفراد العائلة. فالمربع يستخدم كرمز يشير إلى الأب، أو إشارة للابن الذكر، بينما تُستخدم الدائرة للإشارة إلى الأم، أو الابنة. كما يُشار إلى كل جيل بحرف روماني، بينما يشار لكل فرد في الجيل برقم عادي. ويُستخدم خط يصل بين الأب والأم ينزل من منتصفه خط عمودي يتفرع منه الأبناء. وإذا وُجدت الصفة الوراثية يظلل المربع أو الدائرة بغض النظر عن كون هذه الصفة سائدة أو متنحية.

 ويعد عالم النفس الإنجليزي الشهير  سير فرنسيس جالتون F. Galton (أبن عم دارون) أول من أستخدم طريقة النسب الوراثي. كما يعد من الرواد الأوائل الذين تخصصوا في دراسة كيفية وراثة السلوك. ولعل أكثر إسهاماته في هذا المجال -بالإضافة إلى إسهاماته العديدة في علم النفس- دراسته لوراثة الذكاء التي قدمها عام 1869، وقضى فيها قرابة الثلاثين عاماً لدراسة العوامل الوراثية.

   وقد قام جالتون بالعديد من الدراسات التي هدف منها إلى دراسة الأساس الوراثي للعبقرية والتفوق العلمي والأكاديمي. وأجرى الدراسة عن طريق مسح شامل للعديد من الأسر المختلفة التي تحتوي بين أفرادها على مشاهير العلماء، والأطباء، والكتّاب والسياسيين، والقضاة، ورجال العلم والفن في المجتمع الإنجليزي. وجمع جالتون معلومات وفيرة عن 997 فرداً من هؤلاء المشاهير، الذين ينتمون لحوالي 300 أسرة. ومن خلال ما رصده جالتون من تحليل البيانات التي حصل عليها، أستطاع أن يثبت أن الشهرة والعبقرية والتفوق إنما هي صفات تسري في عائلات بعينها، وأن هذا يعني أنها تنتقل وراثياً عبر أفراد هذه الأسر.

   وأنتهي جالتون إلى وجود عدد كبير من الأشخاص الأذكياء بين أقارب الشخصيات اللامعة عقلياً. وأن هذا العدد أكبر بكثير من أن يُعزى للصدفة، أو للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تتميز بها أسر هؤلاء الأفراد. وأشار جالتون من خلال تحليلاته الإحصائية إلى أن معامل ارتباط ظهور أفراد أذكياء في أسر يوجد بها شخص متميز من الناحية العقلية، إنما يزداد إذا كانت العلاقات الأسرية في هذه الأسرة أقرب من الناحية الوراثية. بمعني أن الصفة تظهر بشكل واضح بين الأب والأخ والعم وأبن العم، ويقل ظهورها كلما ابتعدت علاقة القرابة.

   وبنفس الطريقة التي أجراها جالتون قام جودارد Goddard عام 1912 بدراسة تأثير الوراثة على صفة الضعف العقلي، وإنتقالها بين أفراد العائلة الواحدة، وذلك في المجتمع الأمريكي. وقدم جودارد دراسته الشهيرة على أسرة عرفت في تراث علم النفس باسم (أسرة كاليكاك) Kalikak family. وهذه الأسرة أنتشرت صفة الضعف العقلي في أحد فروعها، بينما أنتشرت صفة الذكاء العادي في الفرع الآخر. وقد تتبع جودارد قصة هذه الأسرة وقام بدراستها. وتتلخص هذه القصة في قيام علاقة جنسية غير شرعية بين الجد الأكبر للأسرة (مارتن كاليكاك) عام 1861 -وهو شخص عادي الذكاء- وفتاة ضعيفة العقل. وأدت هذه العلاقة إلى إنجاب طفل ضعيف العقل (كاليكاك الإبن). وعندما تزوج هذا الإبن بفتاة عادية الذكاء أنجب طفلاً ضعيف العقل أيضاً. ثم تزوج الأخير فأنجب أطفالاً ضعيفي العقل. واستمرت هذه الصفة في أفراد هذا الفرع، حيث بلغ عدد ذريته 480 شخصاً، من بينهم 143 من ضعاف العقول. وهذا الفرع نشأ بطفل ضعيف العقل نتيجة علاقة غير شرعية بين فرد عادي الذكاء (كاليكاك الجد) وفتاة ضعيفة العقل.

 

  ولكن كاليكاك الجد تزوج بعد علاقته غير الشرعية بفتاة عادية العقل، فأنجب طفلاً عادي الذكاء. وعند زواج هذا الابن كانت النتيجة أطفالاً يحملون صفة الذكاء العادي. وبهذا أصبح هناك فرعان لهذه العائلة: الأول تظهر فيه صفة الضعف العقلي، والثاني تظهر فيه صفة الذكاء العادي.

 

  وقد تتبع جودارد أصل ومنشأ هذه الأسرة، وتوصل إلى أنها بدأت عام 1735 بزواج رجل عادي الذكاء يدعى كاسبار Kaspar، بفتاة عادية الذكاء أيضاً. وكانت نتيجة هذا الزواج طفلاً عادياً. وهذا الطفل تزوج عام 1765 بفتاة عادية فأنجب كاليكاك الجد الأكبر لقصتنا، والذي أقام علاقته غير الشرعية، وتزوج من فتاة عادية الذكاء لتكتمل أحداث القصة التي لخصناها سابقاً. وخلص جودارد من هذين الفرعين في أسرة واحدة إلى أن الوراثة لعبت دوراً كبيراً في انتقال هاتين الصفتين المتناقضتين.                       

 

  وقد أنتقد علماء الوراثة دراسة جودارد من أول ظهورها. فافتراض جودارد بأن الضعف العقلي ينتقل بواسطة جين متنحٍ يبدو في واقع الأمر أنه تبسيط خاطيء في ضوء المعلومات الحالية في علم الوراثة، خاصة وأن جودارد تمسك بضرورة أن يكون مارتن كاليكاك الجد حاملاً لجين متنح مسئول عن صفة الضعف العقلي، وأن هذا الجين هو المسئول عن تكرار ضعاف العقول في سلالته من علاقة غير شرعية بفتاة ضعيفة العقل. فإذا كان هذا هو التفسير، فإن عدم وجود ضعف عقلي فى الفرع الآخر يصعب تفسيره في ضوء افتراض جودارد، فأين ذهب الجين المسئول عن صفة الضعف العقلي، بحيث لا يظهر أي فرد في الفرع الآخر مصاباً به.

 

  وعلى الرغم مما توصل إليه كل من جالتون وجودارد من التأثير الوراثي لصفة الذكاء أو الضعف العقلي، إلا أن الآراء حول هذه النتائج قد اختلفت. فالبعض يرى أن الذكاء لا يتحدد بالوراثة فقط، ولكن تلعب البيئة دورها أيضاً في هذا الشأن. فأسلوب دراسة الأسرة والنسب الوراثي يتميز بمشكلة محددة هي عدم القدرة على فصل التأثيرات الوراثية عن التأثيرات البيئية، وما يمكن أن تلعبه الأخيرة في تنشئة الفرد.

  ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن الآباء الأذكياء لا ينقلون لأبنائهم الجين المسئول عن صفة الذكاء وحسب، وإنما يوفرون عادة لأبنائهم بيئة ومناخاً ملائمين لتنمية استعداداتهم الوراثية وتنشيطها. بل إن الأمر لا يتوقف عند حد الذكاء فقط، وإنما يمتد ليشمل كافة الخصائص الوراثية. فالقدرة على المشي مثلا تعد صفة وراثية يولد الطفل مزوداً بها، ولكن إذا لم تسمح له البيئة بتنمية هذه القدرة، فإنه لا يستطيع المشي على قدميه كما هو مفروض.  

  ويزودنا التاريخ بحالة توضح هذا التأثير، وهي حالة طفل أفيرون المتوحش Aveyron’s Wild Boy أو ما عُرف في التراث العلمي لعلم النفس بطفل الغابة. فقد عثر على هذا الطفل في غابة أفيرون القريبة من باريس عام 1799، وكان عمره يتراوح بين 11-12 عاماً. وكان أكثر توحشاً، وأكثر شبهاً بالحيوانات منه بالإنسان، حيث لم يكن قادراً على التحدث بلغة البشر، وكان يختار طعامه مستعيناً بحاسة الشم. وقد وُضع هذا الطفل تحت الملاحظة، وحاول الطبيب الفرنسي إيتارد Itard الذي كان يتابع حالته أن يعلمه، ويكسبه خصائص السلوك الإنسان. وقد وضع إيتارد برنامجاً تدريبياً خاصاً للصبي، كي يؤكد أن بالإمكان تعليم الأبله عن طريق تدريب الحواس. وأهتم بتنمية الجوانب الاجتماعية لديه، وتنمية حواس الشم واللمس والبصر، مع خلق الحاجات الإنسانية. أي أنه حاول أن يقلل من الدوافع الحيوانية التي كانت موجودة لدى الطفل. ورغم كل ذلك فقد أعلن بعد مضي خمس سنوات من الجهود المضنية عجزه عن إكساب الطفل أياً من هذه الصفات الإنسانية.

  فهذا الطفل نشأ في بيئة الغابة، وعلى الرغم من أنه مزود وراثياً بالقدرة على الكلام، إلا أنه لم يتكلم كلام البشر لغياب هذا النوع من الكلام في البيئة التي يعيش فيها. كما أنه كان مزوداً بالقدرة على المشي إلا أنه كان يسير على أربع كالحيوانات. فمن أين له أن يكتسب الصفات الإنسانية دون أن يتعرض لمثيراتها.  

  ويحدث نفس الأمر فيما يتعلق بصفة الضعف العقلي، فالآباء ضعيفو العقل حين ينجبون، فإنهم عادة ما يربون أبناءهم في ظروف غير سوية، ومثل هذه الظروف قد تساعد في اضطراب سلوك الأبناء، وعدم تفتح قدراتهم العقلية.

 

  هذا فيما يتعلق بصفة الذكاء والضعف العقلي، فماذا عن الأمراض الوراثية التي يمكن أن نجدها في الأسر. سنعرض في السطور التالية ثلاثة أمثلة للنسب الوراثي لثلاثة صفات: صفة سائدة، وثانية متنحية، وثالثة مرتبطة بالجنس. وذلك للتعرف على طبيعة ظهورها في السجل الوراثي.

 

1- النسب الوراثي لصفة سائدة:-

  لنضرب مثالاً على ذلك بصفة وجود ست أصابع في الكف، أو ما يسمى بتعدد الأصابع Polydactyly . وبالطبع فإن الأمر يرتبط بنوع التركيب الجيني لكل من الوالدين، بمعنى كونه تركيباً نقياً أو تركيباً هجيناً. فإذا كان الأبوان ذوي تعدد الأصابع،  ومن النوع النقي، فلابد أن يكون الأبناء جميعهم (100%) بنفس الصفة،  وذلك لكونها صفة سائدة. أما إذا ظهرت الصفة على بعض الأبناء دون غيرهم فهذا يعني أن الوالدان يحملان الصفة ولكنهما هجينين من ناحية التركيب الجيني للصفة.

 

  وكما يوضح الشكل السابق فإنه عند تزاوج والدين لدى كل منهما صفة تعدد الأصابع بشكل ظاهر، كان نتاج هذا الزواج ثلاثة أبناء، لدى أثنين منهم (75%) نفس الصفة (ذكر وأنثى رقم 2،3 فى الجيل الأول). بينما أدى زواج الأنثى التي لديها الصفة في الجيل الأول مع ذكر طبيعي إلى إنجاب أربعة أفراد ظهرت الصفة على أثنين منهم (50%)، وهي نفس النسب التي تحددها قوانين السيادة الوراثية التي ناقشناها في الفصل السابق. ويشير هذا إلى أن التركيب الجيني للوالدين المصابين في هذه الأسرة تركيب هجيني (هتيروزيجوس) وليس تركيباً نقياً (هوموزيجوس)لأن نسبة المصابين من الأبناء كانت 75% وليست 100%.

 

2- النسب الوراثي لصفة متنحية:-

  ولنضرب كذلك مثالاً آخر لسجل النسب الوراثي في حالة الصفات المتنحية، من خلال صفة التحام أو التصاق شحمة الأذن، إذ أن صفة انفصال شحمة الأذن صفة سائدة. ويشير شكل رقم (38) إلى شجرة العائلة لأسرة تحمل هذه الصفة. فإذا كان الوالدان ملتحمي شحمة الأذن (كل منهما يحمل جينين خاصين بالصفة ومن النوع النقي) فلابد أن يكون حميع ألأبناء ملتحمي شحمة الأذن. أما إذا كان الأبوان منفصلي شحمة الأذن (صفة سائدة) فمن المحتمل أن يكون بعض الأبناء ملتحمي شحمة الأذن، ونستنتج من هذا أن الأبوين يحملان تركيباً جينياً من النوع الهجين أو الهتيروزيجوس) مما جعل الصفة تظهر لدى بعض الأبناء، ولا تظهر لدى البعض الآخر.

 

  ويلاحظ من الشكل أن أحد أبناء الجيل الأول كان مصاباً بينما لم يُصب الاثنان الآخران، وهذا يشير إلى أن الوالدين في الجيل الأول كانا حاملين للصفة وليسا مصابين. بينما نرى جميع أفراد الجيل الرابع قد أصيبوا بالصفة وظهرت عليهم، مما يشير إلى أن الوالدين فى الجيل الثالث (رقم 4،5) مصابين ومن النوع النقي (هوموزيجوس) لأن نسبة الإصابة في الأبناء بلغت 100%. وتخضع هذه النسب لقوانين الوراثة المتنحية.

 

  3- النسب الوراثي لصفة مرتبطة بالجنس:-

 أما عن الوراثة المرتبطة بالجنس فنشير إلى السجل الوراثي للعائلة المالكة البريطانية التي ظهر فيها مرض النزف الدموي الوراثي (هيموفيليا). وتبدأ قصة المرض في هذه الأسرة بإصابة الملكة فيكتوريا بجين المرض نتيجة طفرة وراثية في خلاياها أو خلايا والديها الجنسية، فلم يُذكر أن أحداً من أجدادها كان مصاباً بالمرض. وأصيب بالمرض أحد أبنائها (رقم 8 في الجيل الثاني وهو الأمير ليوبولد).

  وعند زواج الأميرة أليس الإبنة الثالثة للملكة فيكتوريا (رقم 3 في الجيل الثاني) والتي كانت حاملة للمرض، من زوج طبيعي وسليم، أصيب أبنها الأمير فريدريك بالمرض (رقم 3 في الجيل الثالث). كما أصيب اثنان من أولاد الأميرة بيتريس (رقم 9 في الجيل الثاني) هما الأمير ليوبولد والأمير موريس (رقم 9،10 في الجيل الثالث). ويمكن تتبع الصفة في الأجيال التالية لهذه الأسرة.

   وكما هو واضح من عملية انتقال المريض بين أفراد العائلة المالكة، فإن الإناث لا يُصبن بالمرض، ولكنهن يحملنه، بينما كانت الإصابة دائماً من نصيب الذكور. وهذه إحدى قوانين الوراثة المرتبطة بالجنس، إذ أن الجين المصاب يكون على الكروموسومات الجنسية وليس الكروموسومات الجسمية. وبالطبع يمكن دراسة العديد من هذه الصفات عن طريق تتبعها في الأسر، أياً كانت طبيعة الوراثة فيها (سائدة أو متنحية .... إلخ.).

 

ثانياً- دراسة التوائم

(Twin studies)

  إذا كانت دراسات الأسرة يشوبها بعض العيوب في عملية الضبط العلمي المنهجي، فإن دراسات التوائم جاءت لإجراء مزيد من البحوث للتعرف على أثر العوامل الوراثية، بل والتعرف على أثر العوامل البيئية أيضاً، ولكن تحت ظروف من الضبط الإحصائي أكثر تقدماً.

   ومن المثير للدهشة أن أول من تبين الأهمية الكامنة في دراسة التوائم هو جالتون أيضاً، الذي صاغ مصطلح ,, علم تحسين النسل أو اليوجينيا Eugenics ،، الذي يعني به تفوق الأبناء والأحفاد على الآباء. وقد نشر عام 1875 دراسة عن ,,تاريخ التوائم كمعيار للقوة النسبية للطبيعة والبيئة ،، ورأى في هذه الدراسة أن الروابط الوثيقة بين التوائم قد تجعل من السهل تتبع الصفات الوراثي، حيث أنها تمدنا بمعلومات قيمة عن الطرائق التي تعمل بها الجينات والبيئة معاً. وقد أنفق معظم حياته في العمل على العائلات والتوائم محاولاً حل بعض الأمور المعقدة التي كشفت عنها دراساته.

  وكما سبق وذكرنا فإن التوائم تنقسم إلى نوعين: الأول التوائم المتطابقة أو المتماثلة، وهي التي تحمل نفس الصفات والعوامل الوراثية نتيجة تكونها من بويضة واحدة تم إخصابها بحيوان منوي واحد. والنوع الثاني التوائم المتآخية أو غير المتطابقة التي تكونت من بويضتين أو أكثر. وهي لا  تتشابه في عواملها الوراثية لاختلاف جيناتها، ولا تتشابه خصائصها إلا بالقدر الذي يوجد بين الأشقاء عادة. ولذلك فإن أي تغير في صفاتها يمكن إرجاعه إلى أثر البيئة.

وقد أخذت دراسة التوائم أشكالاً عديدة، فبعضها قام بدراسة التوائم بعد عزلها عن بعضها، بمعنى أنها قامت بتثبيت عامل الوراثة -الجينات في التوائم المتطابقة- وقامت بدراسة أثر البيئة. وبعضها قام بتثبيت أثر البيئة لدراسة أثر الوراثة. والبعض الثالث قام بمقارنة التوائم المتطابقة بالتوائم غير المتطابقة للتعرف على أثر كل من الوراثة والبيئة فى اكتساب الصفات. وفيما يلي تناول كل نوع على حدة:-

 

1- دراسة التوائم المتطابقة:-

  يعتمد هذا النوع من الدراسات على فصل التوائم وتنشئتها في بيئات مختلفة، على أن يتم الفصل بينهما منذ الميلاد، حتى لا يكون هناك أي مجال لأثر البيئة في وقت مبكر. وتعتمد هذه الطريقة على ما يسمى بطريقة ضبط التوائم المتماثلة Co-Twin cotrol method التي أستخدمها جالتون.

 

  ومن هذه الدراسات التي أُجريت على التوائم المتطابقة، دراسة تم فيها فصل توأمتين من الإناث منذ الميلاد: الأولى تدعى ماربل Marble والثانية تدعى ماري Mary. وقد تم تربية وتنشئة الطفلة الأولى في أسرة ريفية فقيرة، بنما تربت الثانية لدى إحدى الأسر الغنية في المدينة. وبعد 29 عاماً تم إجراء العديد من الفحوص النفسية والعقلية والاجتماعية على كل من التوأمتين. وأشارت نتائج الدراسة إلى ما يلي:-

 1. وجود اختلاف بين البنتين في وزن الجسم وهيئته. فقد كانت الأولى (بنت الريف) ممتلئة وتتسم بقوة بدنية وعضلية ملحوظة، إذا ما قارناها بالأخرى (بنت المدينة) التي بدت نحيفة، وأقل وزناً، وأضعف بنية.

 2.  كانت الأولى أكثر ثباتاً من الناحية الانفعالية، وأقل قلقاً وعصابية من الثانية.

 3.  تميزت الأولى بمستوى منخفض من الذكاء، عند مقارنتها بالثانية.  

  وخلصت هذه الدراسة إلى أنه على الرغم من وجود إمكانات وراثية واحدة لدى التوأمين، إلا أنهما اختلفتا في صفاتهما الجسمية والعقلية والانفعالية. وهذا يعني ببساطة أن الاختلاف يرجع إلى أثر البيئتين المختلفتين على كل منهما.

   والحقيقة أن دراسات التوائم المتطابقة على هذا النحو تُعد أمراً شاقاً لندرة الحصول على هذا النوع من التوائم التي تنفصل عن بعضها البعض في سن مبكرة جداً. ومع ذلك فقد تلعب الصدفة دورها في دراسة مثل هذه الحالات. ففي عام 1979 أهتم عالم النفس الأمريكي توماس بوتشارد T. Bouchard بجامعة مينيسوتا بدراسة توأمين عرفا بـ (توأم جيم) حيث كان أحد عمال الصلب فى ولاية أوهايو بأمريكا، ويدعى جيم لويس، قد أنفصل عن توأمه الآخر منذ عام 1939 عندما كان عمرهما أربعة أسابيع. وظل جيم هذا يبحث عن توأمه حتى عثر عليه. وحدث أن نشرت الصحف هذا الخبر الذي ألتقطه بوتشارد وأجرى دراسته عليهما. ومنذ اللحظة الأولى كان التوأمان مختلفين من الناحية الشكلية في مظهر كل منهما. فقد كان أحدهما يحمل نظارة طبية بينما الآخر ليس كذلك، كما كان كل منهما يصفف شعره بطريقة مختلفة. ولكن سرعان ما أزاح مرتدي النظارة نظارته، وأعاد تصفيف شعره حتى أصبح الاثنان وكأنهما نسخة واحدة شديدة التطابق.

   وحين أجرى بوتشارد دراسته كان ما وجده مثيراً للدهشة، وشمل هذا ما يلي:-

 1. كل منهما كان يفضل دروس الرياضيات أثناء مرحلة الدراسة، كما كان كل منهما يكره تهجي الكلمات.

 2. كان لكل منهما نفس الهوايات كالرسم والنجارة، وبناء المجسمات والنماذج المصغرة.

 3. كان لكل منهما سيارته المتشابهة مع سيارة الآخر، وكانا يفضلان قضاء الإجازة على نفس الشاطيء.

 4. تزوج كل منهما مرتين، وكان اسم الزوجة في المرة الأولى لندا، وفي المرة الثانية بيتي.

 5. سمى كل منهما إبنه الأول جيمس.

 6. لكل منهما كلب يدعى توي.

 7. تطابقت عاداتهما في شرب القهوة، والتدخين.

 8. كان كل منهما مصاباً بالبواسير، وارتفاع ضغط الدم. وشكي كل منهما بالصداع النصفي في سن الثامنة عشرة.

 9. زاد وزن كل منهما عشرة أرطال في الوقت نفسه تقريباً من حياتهما على نحو لا يفسر، وتوقف كل منهما عن اكتساب زيادة الوزن في الوقت نفسه على النحو العجيب نفسه.

 

  وكل هذه التشابهات في الصفات لم يكن من السهل أن يعزوها بوتشارد إلى عنصر الصدفة، أو إلى عنصر الوراثة، وإنما إلى الاثنين معاً، وهو الأمر الذي يقترب من الوراثة كمحدد لهذه الصفات المتشابهة. ومن خلال العديد من الدراسات التي أجراها بوتشارد وفريقه في جامعة مينيسوتا على التوائم الأخرى توصلوا إلى أن الجينات تساهم بدور كبير وهائل في السلوك. بل وتبين من هذه الدراسات أن الموجات الكهربية لرسم مخ التوائم المتطابقة يكاد يكون متطابقاً جداً. بل وصل الأمر إلى أن هناك عنصراً وراثياً قوياً في مجالات كانت تعد دائماً من مناطق نفوذ البيئة، مثل أنواع معينة من المخاوف النفسية.

 

  وعلى الرغم مما توصل إليه فريق العمل في جامعة مينيسوتا إلا أنه وضع العديد من التحذيرات على تعميم أي أوجه تشابه بين التوائم. فمن السخف أن نرجع تشابه أسماء الزوجات الذي نراه في العديد من زيجات التوائم إلى عامل وراثي. أو أن التشابه في ارتداء أنواع معينة من الملابس يمكن أن يرجع إلى جينات تجعل الفرد مستهدفاً لارتداء هذه النوعية من الملابس. ومع ذلك فقد أشار فريق العمل إلى أن الاختلافات التي نجدها بين التوائم ما هي إلا تنويعات على نفس اللحن.

 

2- دراسة التوائم المتآخية:-

  في هذا النوع من الدراسات تتم دراسة التوائم غير المتطابقة التي تعيش في بيئة واحدة، أي أنه يتم تثبيت عامل البيئة لدراسة عامل الوراثة. وبالطبع فإن هذا النوع من التوائم يختلف في صفاته الوراثية. وفي إحدى الدراسات التي قام بها كل من جيزيل وتومبسون Gezil & Thompson تم اختيار توأمين غير متطابقين عمر كل منهما 11 شهراً. وتم تعريض أحدهما للتدريب اليومي على نشاط اللعب بالمكعبات، وصعود وهبوط درجات السلم، لمدة عشرين دقيقة يومياً، ولمدة 6 أسابيع. بينما لم يتعرض التوأم الآخر لأي نوع من التدريب. وبعد انتهاء الأسابيع الستة أستطاع التوأم الذي لم يتلق أي تدريب أن يقوم بنفس النشاط الذي قام به التوأم الذي تعرض للتدريب (لعب المكعبات، وصعود وهبوط السلم).

   ويتضح من هذه النتائج أنه على الرغم من عدم تدريب أحد التوأمين فإنه أستطاع القيام بنفس السلوك، وهذا يعني أن الوراثة لعبت دوراً فى اكتساب هذه المهارات. ويشير هذا إلى أن تقدم العمر وما يرتبط به من نمو في الوظائف الجسمية هو المحك الأساسي للاستفادة من معطيات الوراثة.

 

3- مقارنة التوائم المتطابقة بغير المتطابقة:-

  في هذا النوع من الدراسات يتم عمل مقارنات بين كل من التوائم المتطابقة، والتوائم غير المتطابقة ، بغرض التعرف على مدى تأثير كل من البيئة والوراثة على الإنسان. فالتوائم المتطابقة يفترض فيها التماثل البيولوجي الذي يمكن أن يكون أكثر تأثيراً على التوأمين أكثر من البيئة. بينما التوائم غير المتطابقة لا يكون تأثير الوراثة واضحاً إلى حد كبير، ومن ثم فإن الاختلافات أو أوجه الشبه بين التوأمين في هذه الحالة يمكن رده إلى البيئة.

 

  ومن أمثلة هذه الدراسات دراسة قام بها شيلدز Shields في أنجلترا عام 1962 حيث شملت دراسته ثلاث مجموعات من التوائم هي:-

 1. مجموعة من التوائم المتطابقة بلغ عددها 44 زوجاً من البالغين الذين نشأوا بعيداً عن بعضهم البعض، وتم الانفصال بينهم في سن ثلاثة أشهر.

 2. مجموعة من التوائم المتطابقة الذين تربوا معاً في بيئة واحدة، وذلك كمجموعة ضابطة. وبلغ عددها 44 زوجاً أيضاً.

 3. مجموعة من التوائم غير المتطابقة بلغ عددها 32 زوجاً، ونشأ أفرادها في بيئة واحدة.

 

  وأجرى شيلدز تقييماً نفسياً للمجموعات الثلاثة، عن طريق مقابلات شخصية، وتطبيق إختبارات الذكاء، مع عمل قوائم لدراسة الانطواء والانبساط كسمتين اجتماعيتين. وأشارت نتائج دراسته إلى أن التوائم المتطابقة سواء الذين نشأوا معاً أو منفصلين، هم أكثر تشابهاً في الخصائص التي تم قياسها، مقارنة بالتوائم غير المتطابقة.

 

  ومن الدراسات المقارنة الأخرى دراسة إرفنج جوتيسمان I. Jottesman عام 1966، مفترضاً فيها أه إذا أمكن أن نبين أن التوائم المطابقة ذات الوراثة المتماثلة، أكثر تشابهاً في سمة ما، من التوائم غير المتطابقة (المتآخية) والتي ليست متماثلة وراثياً، فإنه يمكن اعتبار ذلك دليلاً قوياً على إسهامات الوراثة في هذه السمة.  وأستخدم جوتيسمان مجموعة من التوائم المتطابقة بلغ عددها 79 زوجاً، بالإضافة إلى مجموعة من التوائم غير المتطابقة بلغت 68 زوجاً. وقد شملت كل عينة ذكوراً وإناثاً. وطبق جوتيسمان مجموعة من اختبارات الشخصية لدراسة سمات السيطرة، والإجتماعية، والتحصيل، وتقبل الذات. وانتهت النتائج إلى أن التشابه في هذه السمات كان أكثر في التوائم المتطابقة عنه في التوائم غير المتطابقة. وأعتبر جوتيسمان هذه النتائج دليلاً على دور الوراثة في هذه السمات.

 

  كذلك قدم رونالد ويلسون R. Wilson بجامعة كينتاكي بأمريكا دراستين عن مقارنة التوائم المتطابقة بالتوائم غير المتطابقة، الأولي أجراها عام 1972، والثانية تمت عام 1978. وفي الدراسة الأولى قام بدراسة تأثير الجينات على النمو المبكر للأطفال، وأختبر فيها 361 زوجاً من التوائم على ست فترات منتظمة أثناء السنتين الأوليين من عمرهم، في محاولة لتسجيل خريطة تطور مهاراتهم العقلية والحركية. وتبين لويلسون أن معدلات التغير في النمو ليست منتظمة، وإن كانت التوائم المتطابقة تتقدم في النمو بنفس السرعة تقريباً. بينما لم يجد نفس الترابط لدى التوائم غير المتطابقة. وأشار من ذلك إلى أن التوائم المتطابقة لها نفس الجينات التي تحدد سرعة النمو، بينما التوائم مختلفة الجينات (غير المتطابقة) لا تفعل الأمر على نفس النحو. وتوصل ويلسون إلى أنه بمعرفة معدل نمو أحد التوأمين المتطابقين في سن معينة، يمكننا أن نتعرف على معدل نمو التوأم الآخر.

 

  أما الدراسة الثانية لويلسون والتي أجراها عام 1978 فقد أستخدم فيها 350 زوجاً من التوائم في سن يتراوح بين الرابعة والسادسة، وقام باختبار معدلات ذكائهم. وتبين له أن معدل الارتباط الموجود بين درجات ذكاء كل توأمين متطابقين، يكاد يكون ضعف ما يوجد بين درجات التوأمين غير المتطابقين.

 

  وخلص ويلسون من دراستيه إلى أن برنامج التخطيط الوراثي الموجود لدى كل مولود هو الذي يحدد طريق نموه. وذلك مع الاحتفاظ بالعوامل البيئية في حدود مقبولة. كما أن الجينات تحدد النمو العقلي بنفس درجة تحديدها للنمو البدني.

 

  ولم تسلم دراسات التوائم المقارنة من الانتقادات. ويمكن أن نوجزها فيما يلي:-

 1. على الرغم من استخدام المنهج العلمي في دراسة التوائم ، إلا أن العلماء لاحظوا أن التوائم المتطابقة ليست متطابقة بالضبط. فقد يصاب أحدهما بمتلازمة داون دون أن يصاب بها الآخر.

 2. إن عملية الحصول على عدد مناسب وكافٍ من التوائم المتماثلة التي انفصلت وتربت بعيداً عن بعضها البعض، والتي تكفي للدراسة وتعميم النتائج، تعد أمراً صعباً وشاقاً.

 3. إذا ما توفرت هذه التوائم فعادة ما نجدها قد انفصلت في سن متأخرة جداً في الطفولة، أي أنها تكون قد تعرضت بدرجة أو أخرى لنفس الأثر البيئي لفترة ما.

 4. قد تكون التوائم قد انفصلت في سن مبكرة جداً، ولكنها تربت في بيئات متماثلة إلى حد كبير، بما يلغي فرضية اختلاف البيئة، ودراسة أثرها.

 5. إن معظم الدراسات التي أجريت على التوائم المتطابقة تقوم بتثبيت العوامل الوراثية، وتقوم بدراسة أثر البيئة، بينما لا يمكنها أن تقوم بتثبيت العوامل البيئية وتغيير العوامل الوراثية، اللهم في حالات التوائم غير المتطابقة.

 6. إن اختيار التوائم قد يكون فيه نوع من التحيز من قبل الباحثين، وخاصة عند تطبيق الاختبارات، نظراً لأن نفس الباحث يقوم بالتطبيق على كلا التوأمين مع معرفته لدرجات أحدهما، وهو يقوم بالتطبيق على الآخر- وهو أمر قد يقلل من نسب الارتباط التي أظهرتها نتائج هذه الدراسات.

 7. إن التشابه الذي نجده في حالات التوائم المتطابقة قد يرجع إلى أن أن التشابه البدني بينهم يجعل والديهم ومدرسيهم وأصدقائهم يعاملونهم بنفس الطريقة. كما أن التوأمين عادة ما يقضيان معظم الوقت معاً، ويمارسان نفس الأنشطة تقريباً. ومن هنا تأتي ضرورة الفصل بينهما للتعرف على أثر الوراثة والبيئة على نحو جيد.

 

ثالثاً- دراسات التبني

(Adoption studies)

    تعتمد هذه الدراسات على فحص الأطفال الذين انفصلوا عن أمهاتهم لسبب أو لآخر، وتربوا في أسر أخرى. وذلك بغرض التعرف على أوجه الشبه والاختلاف في خصائصهم السلوكية مع أمهاتهم وأخوتهم الحقيقيين (إخوة الدم)، وأمهاتهم وإخوتهم في الأسر المتبنية لهم (إخوة التبني). وفي مثل هذه الدراسات ليس من الضروري أن يكون هؤلاء الأطفال من نوع التوائم.

 

  وقد أجرت ساندرا سكار S. Scaar في جامعة مينيسوتا دراسة عام 1979 بحثت فيها عن أوجه الشبه والاختلاف في الميول الاجتماعية فى مجموعتين من الأباء والأبناء: المجموعة الأولى الأبناء فيها متبنون، والمجموعة الثانية نشأ فيها الأطفال على أيدي آبائهم الحقيقيين أو البيولوجيين. وقد صممت الدراسة بحيث تكون العائلات في المجموعتين متشايهة جداً من حيث المستوى الاجتماعي الاقتصادي، ومن حيث السن والمهن. وذلك لتثبيت أثر البيئة. وقد وجدت سكار أنه لا توجد أوجه شبه وثيقة بين الأطفال المتبنين وآبائهم بالتبني، حتى بعد أن عاشوا معاً أكثر من عقدين من الزمان. بينما وجدت الأطفال غير المتبنين يشبهون آباءهم البيولوجيين بشكل كبير.

 

  وقد أشار العلماء إلى أن هناك أوجه واضحة لابد أن تختلف بين عائلات التبني من جهة، والعائلات العادية ذات قرابة الدم من ناحية أخرى. وأحد هذه الوجوه أن الوالدين بالتبني يرغبون كلهم بصورة إيجابية في أن يكون لهم أطفال. أما الآباء البيولوجيون فليس ثمة ضرورة أن يكونوا كذلك. كما أن الآباء بالتبني يتم إختيارهم - بحكم القانون- بواسطة وكالات التبني بحرص شديد، قبل أن يسمح لهم بالتبني. ويتم انتقاؤهم بحيث يكونون أكثر استقرارا من الناحية الانفعالية، وآمنين اقتصاديا، ولا يدمنون الخمور، وليس لهم سجل إجرامي... إلخ. وهكذا فإن أسر التبني بشكل عام تمد أطفالها بظروف بيئية أفضل كثيراً من المتوسط، بالإضافة إلى ما يتميز به هؤلاء الآباء من معاملات ذكاء مرتفعة. وكل هذا من شأنه أن يعطي نتائج غير دقيقة عند المقارنة بين الآباء البيولوجيين والآباء بالتبني. فالحقيقة أن الآباء بالتبني تمد الطفل بالبيئة، بينما  يمد الآباء البيولوجيون أبناءهم بالجينات والبيئة معاً.

 

  ولمزيد من الدقة في دراسة كل من البيئة والوراثة، تم بعد هذه الانتقادات وضع تصميم تجريبي يتمثل في مقارنة معامل الارتباط بين ذكاء الوالد الحقيقي وأبنه، ومعامل الارتباط بين ذكاء نفس الوالد وأبنه بالتبني. فقد وجدت أسر تحتوي بالإضافة إلى أبنائها الحقيقيين أبناء بالتبني. ويسمح هذا النوع من التصميم التجريبي بتوفير بيئة واحدة، ومعاملة واحدة من نفس الوالد تجاه ولديه، بحيث يتم قياس أثر كل من الوراثة والبيئة في علاقة الوالد بابنه الحقيقي من ناحية، وقياس أثر البيئة فقط في علاقته بابنه المتبنى.

 

  وقد أجريت وفق هذا التصميم العديد من الدراسات منها دراسة سكار وواينبيرج Scarr & Weinberg عام 1977، والتي أجريت في مينيسوتا، ودراسة هورن ولويلين Horn & Loehlin التي أجريت عام 1979 بولاية تكساس. وفي كلتا الدراستين تم إجراء مقارنة الأزواج المكونين من أم وأبن حقيقي وآخر بالتبني. وتم عمل قياس علاقة ارتباط بين ذكاء نفس الأم بمعامل ذكاء طفلها الحقيقي وطفلها بالتبني. وأشارت النتائج إلى أنه لا يوجد أي فرق دال بين علاقتي الارتباط. وهذا يعني أن الأطفال (حقيقيين أو بالتبني) الذين ربتهم نفس الأم يشبهونها في معامل الذكاء بنفس الدرجة تقريباً، أي أن الجينات لم تلعب الدور الحاسم في هذه المسألة، إذ أن هؤلاء الأطفال فيهم من يشارك الأم نفس الجينات (الأطفال الحقيقيين) وفيهم من لا يشاركها نفس الجينات (الأطفال بالتبني).

 

  وقد أختلف الأمر قليلاً عند مقارنة معامل ذكاء الأب بمعامل ذكاء كل من طفليه (الحقيقي والمتبنى). حيث أشارت النتائج إلى تشابه معامل ذكاء الأب بابنه الحقيقي، أكثر من تشابهها بمعامل ذكاء الابن بالتبني. ومع ذلك لم تكن الفروق بين معاملات الارتباط دالة من الناحية الإحصائية. وتشير النتائج في النهاية إلى أن الذكاء لا يمكن اعتباره قابلاً للتوارث بدرجة عالية، وإن كان في جزء منه قابلاً لذلك.

 

  وبعد ... فإن دراسة أثر العوامل الوراثية على الفرد، لا يمكن أن تنعزل عن دراسة أثر العوامل البيئية، وسوف نتعرض لهذا الموضوع بمزيد من التفصيل في الفصل القادم.

Home ] Up ] صور البيولوجي ] [ ف4- طرق دراسة الوراثة ] ف7- الساعة البيولوجية ] المراجع ] صور الوراثة ] صور أنسجة وأجهزة الجسم ] ثبت المصطلحات ] ف3- العمليات الوراثية ] مقدمة الطبعة الأولى ] ف8- السواء والمرض ] ف6- الاتزان البيولوجي ] ف5- الشخصية ] ف2- أنسجة وأجهزة الجسم ] ف1- الخلية الحية ]