السعادة ريحانةُ القلوب، ومطلبُ الخلائق المنشود،


ومركب النور المتلألئ الذي يوصل النفوسَ إلى شواطئ الأمان ،


وصدى عبارات التفاؤل التي تخطُّها أقلام المخلصين على سطور الحياة


فتعمرها بالأمل، وتزينها بالإشراق، وتُلبسها قلائدَ الجمال الفاتنة.


السعادة مجدٌ شامخٌ، تحيك خيوطَه المتماسكة السجايا الحميدةُ،


التي تثمر محبة الإنسان وخالق الإنسان.


السعادة سكينةُ النفس وطمأنينتها، ونقاءُ السريرة وروعتها،


وطُهْرُ القلوب ونُبلها، وتمنِّي الخير للناس،


وتحرِّي الإخلاص في الأفعال والأقوال.


إن أعذب ينابيع السعادة، وأصفى مواردها،


تلك التي تنبثق من طاعة الخالق - عز وجل - قال تعالى:


{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ


فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }


[ النحل: 97 ]



ليست السعادة محطةً نستريح فيها، أو شاطئًا جميلاً نستجم عنده؛


ولكن السعادة شعورٌ بالرضا يغذي القلوبَ المؤمنة ما كرَّ الجديدانِ.


ما أسماها من سعادةٍ عندما نمنحها للآخرين،


عندما نتقاسمها مع الآخرين!


السعادة أنفسُ من أن تُشترى بمالٍ، وأسمى من أن تمتلك بجاهٍ أو سلطانٍ،


وأبْلغُ من أن تُنال بكلماتٍ معسولةٍ، وأشعارٍ متكلفةٍ،


وأكبرُ من أن توجد في الولائم المدهشة، والأطعمة والأشربة اللذيذة،


وأعزُّ من أن تنال بتشييد القصور والزواج من الحسان.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


ورحم الله الحطيئة إذ يقول:


وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ


وَتَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا وَعِنْدَ اللَّهِ لِلأَتْقَى مَزِيدُ


لقد تفنَّن المغالون في حبِّ الدنيا، والمبتدعون في تمجيدها وتقديسها


في الحصول على السعادة، فأبتْ أن تمكِّنهم من حقيقتها؛


ولكنها قدَّمت لهم صورتَها.


وما أثَرُ صورة السعادة تلك إلا كصورة الشمس التي يرسمها الرسامون


على القراطيس، إذ تبدو جميلةً بشكلها الدائري،


وألوانها الزاهية؛ ولكنها لا تحمل من حقيقة الشمس شيئًا.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


أعمَلَ العباقرةُ والأثرياء والعظماء من ذوي الجاه والكنوز عقولَهم


للحصول على السعادة، فهربتْ منهم، ولم تعبأ بهم،


وأدارتْ لهم ظهرها؛ لتسكب وَدْقَها طمأنينةً وأنسًا في قلوب العابدين


والمصلحين، ومربيات الأيتام وكافلي المعوقين، والصابرين على البلايا،


والعاكفين على الإبداع والعطاء والاستزادة من العلم النافع.


حطَّتِ السعادة بروعتها في قلوب المؤلِّفين الذين يؤلفون بين القلوب


والقلوب، وليس بين السطور والسطور،


أو بين العبارات المفسدة والصور الهدامة.


أيُّ سرٍّ في السعادة وأي لغزٍ فيها؟!


تتوقع وجودها في القصور الفارهة؛


ولكنها تفضل سكنى خيام الرعاة وأكواخ البسطاء،


وتغفو فوق خيامهم الحالمة !