تقرير وضع النقاط على الحروف عن تخلفنا
رغم امتلاكها ثروات هائلة.. لماذا لا تزال الدول العريبة فقيرة بالتكنولوجيا؟
قبل أيام قرأت تقريرا في “دويتشه ڤيلله” الألمانية يطرح التساؤل التالي: لماذا لم تتمكن أي دولة عربية من نقل التكنولوجيا المتقدمة إليها، رغم امتلاكها ثروات هائلة؟ يصف التقرير حال البلدان العربية بأنها ذات “تصحر تكنولوجي”، فهي بلدان غنية بالمال، ولديها استثمارات ضخمة في جميع الدول الصناعية الكبرى، وحصص في أهم الشركات العالمية التي تنقل التكنولوجيا وأفرع عن مصانعها الكبيرة إلى الدول المستثمرة، ولكنها لا تزال فقيرة بالتكنولوجيا ولم تعمل على نقل التكنولوجيا والمصانع إليها.
ويتحدث التقرير عن أرقام ضخمة لاستثمارات بعض الدول العربية، والتي تقدر بحوالي 2.5 (اثنان ونصف) ترليون دولار حسب تقديرات مجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية. آخرها استثمار السعودية مليار دولار في مصنع في أريزونا الأمريكية لإنتاج السيارات الكهربائية، ومئات المليارات من مصر والمغرب والكويت وقطر والإمارات وليبيا وغيرها في شركات ذات تكنولوجيا متطورة وصناعات متنوعة.
والعجيب أن استثمارات الدول العربية في الشركات الغربية قديمة، بدأت منذ أكثر من 40 عاما عندما استحوذت الكويت عام 1974 على 6.8٪ من رأسمال شركة “دايملر” الألمانية التي تنتج سيارات مرسيدس بنتز. تبعها بعد ذلك استثمارات من عدة دول عربية في شركات أدوية وتعدين وكيماويات وانتاج السيارات والصناعات الحربية وغيرها. مع أن معظم الشركات التي تستثمر بها الدول العربية مبالغ طائلة قامت بنقل التكنولوجيا وفتحت أفرع لمصانعها في بلدان أخرى ذات استثمارات أقل بكثير من الاستثمارات العربية كما يقول التقرير. ويتساءل لماذا لا يوجد في الأسواق العالمية سيارة أو هاتف أو أي منتج آخر رائد وعالي التكنولوجيا بصناعة عربية؟!
قامت شركة مرسيدس الألمانية بإغلاق مصنعها في مصر عام 2015 بعد 18 سنة من العمل على تجميع بعض السيارات هناك، والسبب هو عدم الاتقان وغياب الجدية وعدم احترام مواعيد العمل

يتحدث التقرير أيضا عن أهم الأسباب، ويطرح بداية فساد الحكومات وترهل البيروقراطية وانتشار القمع والرشوة والمحسوبية وغيرها من “بديهيات الفساد” في العالم العربي، لكنه يقول ليست هذه الأسباب وحدها المسئولة عن التخلف في العالم العربي، بدليل أن دولا أخرى كثيرة فيها نفس مستوى ونوعية هذا الفساد الحكومي ورغم ذلك استطاعت أن تنهض وتنقل التكنولوجيا إليها وتدخل الأسواق العالمية بمنتجاتها المنافسة، مثل ماليزيا واندونيسيا وتشيلي والبرازيل وفيتنام وغيرها. ما السبب الأهم إذن؟ يجيب التقرير بأنه غياب ثقافة العمل الجماعي وروح الانضباط واتقان العمل، فالشعوب العربية يغيب عنها هذه القيم التي تعد من أساسيات التقدم والنهضة.

ويذكر مثالا مؤلما، حيث قامت شركة مرسيدس الألمانية بإغلاق مصنعها في مصر عام 2015 بعد 18 سنة من العمل على تجميع بعض السيارات هناك، والسبب هو عدم الاتقان وغياب الجدية وعدم احترام مواعيد العمل وغيرها مما كان يتسبب بظهور الكثير من العيوب في المنتج النهائي، رغم أن السوق المصري قوامه 100 مليون نسمة!
يتحدث التقرير أيضا عن غنى الدول العربية بكفاءات فردية قادرة على العطاء، لكنها كفاءات مشتتة في الخارج، وهي عاجزة عن نقل التكنولوجيا لبلدانها لأنها ما أن تجتمع تحت سقف واحد حتى تظهر بينها خلافات هامشية تمثل انعكاسا لواقع بلدانها المترهل. ويضرب التقرير مثال بالفرق بين ألمانيا وبولندا، فكلاهما يملكان كفاءات فردية عالية المستوى، فاستطاعت ألمانيا أن تحقق قفزات هائلة في عالم الصناعة والتكنولوجيا المتطورة وأصبحت من أهم وأكبر الدول الصناعية وواحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، في حين لا تزال بولندا جامدة وتعتمد على غيرها، والسبب أن ألمانيا أوجدت بيئة عمل جمعت شتات العقول وهيأت لهم السبل، بينما لم تحقق بولندا هذه الشروط الأساسية.
التقرير يتحدث أيضا عن أمور مهمة كثيرة، مثل غياب حقوق الملكية الفكرية وانتشار الغش التجاري والصناعات المقلدة وغياب الرؤية الاستراتيجية والمشاريع الوطنية الصادقة. قبل أيام كنت في العاصمة الأوزبكية طشقند لحضور "المنتدى الدولي الأول للسياحة والاستثمار"، لاحظت كثرة وجود سيارات "شيفروليه" الاميركية في شوارع طشقند، وعندما سألت، علمت أن الشركة لها فرع لمصنعها في أؤزبكستان، يغذي ليس فقط هذا البلد، بل سوق وسط آسيا كله. تذكرت حينها تقرير "دويتشه ڤيلله" وأنا أتحسر على حالنا البائس، فكيف تنجح مشاريع مثل هذه في أوزبكستان التي كانت جمهورية سوفييتية قمعية يسيطر عليها العسكر إلى غاية بداية التسعينات (استقلت عام 1990)، بينما تفشل دولنا العربية في نقل أي مصنع رغم الإمكانات الكثيرة!