بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


مفسدات الصوم


فقد شرع الله تعالى الصوم على أتم ما يكون من الحكمة .

فأمر الصائم أن يصوم صوماً معتدلاً ، فلا يضر نفسه بالصيام ، ولا يتناول ما يضاد الصيام .

ولذلك كانت المفطرات على نوعين :

فمن المفطّرات ما يكون من نوع الاستفراغ كالجماع والاستقاءة والحيض والاحتجام ،

فخروج هذه الأشياء من البدن مما يضعفه ، ولذلك جعلها الله تعالى

من مفسدات الصيام ، حتى لا يجتمع على الصائم الضعف الناتج من الصيام

مع الضعف الناتج من خروج هذه الأشياء فيتضرر بالصوم .

ويخرج صومه عن حد الاعتدال .


ومن المفطرات ما يكون من نوع الامتلاء كالأكل والشرب .


فإن الصائم لو أكل أو شرب لم تحصل له الحكمة المقصودة من الصيام .



وقد جمع الله تعالى أصول المفطرات في قوله :


( فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ

الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) البقرة/187 .


فذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أصول المفطرات ، وهي الأكل والشرب والجماع .


وسائر المفطرات بينها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته .


ومفسدات الصيام (المفطرات) سبعة . وهي :


1- الجماع .

2- الاستمناء .

3- الأكل والشرب .


4- ما كان بمعنى الأكل والشرب .

5- إخراج الدم بالحجامة ونحوها .

6- القيء عمداً .

7- خروج دم الحيض أو النفاس من المرأة .

فأول هذه المفطرات : الجماع

وهو أعظم المفطرات وأكبرها إثما .

فمن جامع في نهار رمضان عامدا مختارا بأن يلتقي الختانان ،

وتغيب الحشفة في أحد السبيلين ، فقد أفسد صومه ، أنزل أو لم يُنزل

، وعليه التوبة ، وإتمام ذلك اليوم ، والقضاء والكفارة المغلظة ، ودليل

ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ ؟

قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ . قَالَ : هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً ؟

قَالَ : لا . قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟

قَالَ : لا . قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟

قَالَ : لا .. . الحديث رواه البخاري (1936) ومسلم (1111) .


ولا تجب الكفارة بشيء من المفطرات إلا الجماع .


وثاني المفطرات : الاستمناء


وهو إنزال المني باليد أو نحوها .


والدليل على أن الاستمناء من المفطرات :

قول الله تعالى في الحديث القدسي عن الصائم :

( يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي )

رواه البخاري (1894) ومسلم (1151) .

وإنزال المني من الشهوة التي يتركها الصائم .


فمن استمنى في نهار رمضان وجب عليه أن يتوب إلى الله ، وأن يُمسك

بقية يومه ، وأن يقضيه بعد ذلك .


وإن شرع في الاستمناء ثمّ كفّ ولم يُنزل فعليه التوبة ، وصيامه صحيح ،

وليس عليه قضاء لعدم الإنزال ، وينبغي أن يبتعد الصائم عن كلّ

ما هو مثير للشهوة وأن يطرد عن نفسه الخواطر الرديئة.


وأما خروج المذي فالراجح أنه لا يُفطّر .


الثالث من المفطرات : الأكل أو الشرب .

وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى المعدة عن طريق الفم .


وكذلك لو أدخل إلى معدته شيئاً عن طريق الأنف فهو كالأكل والشرب .


ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :

( وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ) رواه الترمذي (788) .

وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 631 ) .


فلولا أن دخول الماء إلى المعدة عن طريق الأنف يؤثر في الصوم لم

يَنْهَ النبيُ صلى الله عليه وسلم الصائمَ عن المبالغة في الاستنشاق .


الرابع من المفطرات : ما كان بمعنى الأكل والشرب .


وذلك يشمل أمرين :


1- حقن الدم في الصائم ، كما لو أصيب بنزيف فحقن بالدم ،

فإنه يفطر لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب.

2- الإبر (الحقن) المغذية التي يُستغنى بها عن الطعام والشراب ،

لأنها بمنزلة الأكل والشرب . الشيخ ابن عثيمين "مجالس شهر رمضان" ص 70 .


وأما الإبر التي لا يُستعاض بها عن الأكل والشرب ولكنها للمعالجة

كالبنسلين والأنسولين أو تنشيط الجسم أو إبر التطعيم فلا تضرّ الصيام سواء

عن طريق العضلات أو الوريد . فتاوى محمد بن إبراهيم (4/189) .

والأحوط أن تكون كل هذه الإبر بالليل .


وغسيل الكلى الذي يتطلب خروج الدم لتنقيته ثم رجوعه مرة أخرى

مع إضافة مواد كيماوية وغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم يعتبر مفطّرا .

فتاوى اللجنة الدائمة (10/19).


المفطر الخامس : إخراج الدم بالحجامة .


لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ ) رواه أبو داود (2367)

وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2047) .


وفي معنى إخراج الدم بالحجامة التبرع بالدم لأنه يؤثر على البدن كتأثير الحجامة .


وعلى هذا لا يجوز للصائم أن يتبرع بالدم إلا أن يوجد مضطر فيجوز التبرع له ،

ويفطر المتبرع ، ويقضي ذلك اليوم . ابن عثيمين "مجالس شهر رمضان" ص 71 .


ومن أصابه نزيف فصيامه صحيح ، لأنه بغير اختياره . فتاوى اللجنة الدائمة (10/264) .


وأما خروج الدم بقلع السن أو شق الجرح أو تحليل الدم ونحو ذلك

فلا يفطر لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها إذ لا يؤثر في البدن تأثير الحجامة .


المفطر السادس : التقيؤ عمداً


لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ،

وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ ). رواه الترمذي (720)

صححه الألباني في صحيح الترمذي (577) .


ومعنى ذرعه أي غلبه .


وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ

صَوْمِ مَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا اهـ المغني (4/368).


فمن تقيأ عمدا بوضع أصبعه في فمه ، أو عصر بطنه ، أو تعمد شمّ رائحة كريهة ،

أو داوم النظر إلى ما يتقيأ منه ، فعليه القضاء .


وإذا راجت معدته لم يلزمه منع القيء لأن ذلك يضره .

"مجالس شهر رمضان" ابن عثيمين ص 71 .


المفطر السابع : خروج دم الحيض والنفاس


لقول النبي صلى الله عليه وسلم :

( أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ) . رواه البخاري (304) .


فمتى رأت المرأة دم الحيض أو النفاس فسد صومها

ولو كان قبل غروب الشمس بلحظة .


وإذا أحست المرأة بانتقال دم الحيض ولكنه لم يخرج إلا بعد غروب الشمس

صح صومها ، وأجزأها يومها.


والحائض أو النفساء إذا انقطع دمها ليلا فَنَوَت الصيام ثم طلع الفجر

قبل اغتسالها فمذهب العلماء كافة صحة صومها . الفتح 4/148 .


والأفضل للحائض أن تبقى على طبيعتها ، وترضى بما كتب الله عليها ،

ولا تتعاطى ما تمنع به الدم ، وتقبل ما قَبِل الله منها من الفطر في الحيض

والقضاء بعد ذلك ، وهكذا كانت أمهات المؤمنين ،

ونساء السلف . فتاوى اللجنة الدائمة 10/151 .


بالإضافة إلى أنه قد ثبت بالطبّ ضرر كثير من هذه الموانع وابتليت

كثير من النساء باضطراب الدورة بسبب ذلك ، فإن فعلت المرأة وتعاطت

ما تقطع به الدم فارتفع وصارت نظيفة وصامت أجزأها ذلك .


فهذه هي مفسدات الصيام . وكلها -ماعدا الحيض والنفاس-

لا يفطر بها الصائم إلا بشروط ثلاثة :


ـ أن يكون عالما غير جاهل .


ـ ذاكرا غير ناس .


ـ مختارا غير مُكْرَه .


وللفائدة نذكر بعض الأشياء التي لا تفطر :


الحقنة الشرجية وقطرة العين والأذن وقلع السنّ ومداواة الجراح

كل ذلك لا يفطر . مجموع فتاوى شيخ الإسلام 25/233 ، 25/245 .


الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية

وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .

ما يدخل المهبل من تحاميل ( لبوس ) ، أو غسول ، أو منظار مهبلي ، أو إصبع للفحص الطبي .


إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم .


ما يدخل مجرى البول للذكر أو الأنثى ، من قسطرة ( أنبوب دقيق ) أو منظار ،

أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء ، أو محلول لغسل المثانة .


حفر السن ، أو قلع الضرس ، أو تنظيف الأسنان ، بالسواك أو فرشاة الأسنان ،

إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .


المضمضة ، والغرغرة ، وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .


غاز الأكسجين وغازات التخدير ( البنج ) ما لم يعط المريض سوائل ( محاليل ) مغذية .


ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات


العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية .


إدخال قسطرة ( أنبوب دقيق ) في الشرايين لتصوير أو علاج

أوعية القلب أو غيره من الأعضاء .


إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها .


أخذ عينات ( خزعات ) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل .


منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل ( محاليل ) أو مواد أخرى .


دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي .


والله تعالى أعلم .