قبول مشرفين جدد بمنتديات الحصن النفسي ... اضغط هنا للتفاصيل وأهلا بك

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 12 إلى 22 من 54

الموضوع: سانقل لكم الأمثال فى القرآن الكريم

  1. #12
    المشرف العام

    User Info Menu



    الأمثال الصريحة فى سورة هود





    المثل الخامس عشر



    15- " مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع "
    (الآية 24)

    التفسير
    هذا المثل لبيان الفارق بين المؤمن والكافر
    فبعد ذكره سبحانه لبعض صفات الكافرين الذي يصدون
    عن سبيل الله، ويطلبون السُبل المعوجة، ولا يقيمون وزناً
    لما بعد هذه الحياة.
    وذكره أيضاً لبعض صفات المؤمنين الذين يعملون الصالحات،
    والذين هداهم الله إلى الحق المبين، فاطمأنت قلوبهم إلى
    رحمة الله ورضوانه، قال سبحانه:
    {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع
    هل يستويان مثلا أفلا تذكرون}
    (هود:24).




    فقد جاءت هذه الآية الكريمة توضيحاً وتبياناً وتذكيراً للفارق بين
    المؤمنين والكافرين، بين المؤمنين الذين فتحوا بصائرهم وأبصارهم
    للحق المبين، وبين الذين أعموا أبصارهم، فضلوا عن سواء السبيل؛
    وذلك من خلال التمييز بين حال الإنسان الأعمى والأصم،
    وحال الإنسان البصير والسميع.
    وهو مثل واقع مشاهد في الحياة الإنسانية.




    فالأعمى والأصم هو مثال الكافر
    الذي تعطلت لديه منافذ المعرفة،
    فعميت بصيرته عن الإيمان، فلم يعرف لهذا الكون خالقاً،
    وسُدت أذنه عن سماع الحق، فلم يعترف بحياة
    غير الحياة التي هو فيها.
    والبصير والسميع هو مثال المؤمن،
    الذي استفاد من وسائل المعرفة التي زوده الله بها،
    فاهتدت بصيرته بنور الإيمان، وامتلأت نفسه من سماع الحق.
    فكلاهما لا يستويان في الصفات والمزايا
    والتوجهات والأهداف، مثلما لا يستوي الأعمى والأصم،
    والبصير والسميع في الخلقة والتكوين، والحركة والنشاط.




    يقول ابن القيم بخصوص هذا المثل القرآني:
    "ذكر -سبحانه- الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع،
    وما كانوا يبصرون.
    ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح
    والإخبات إلى ربهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن.
    جعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم،
    من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق، أصم عن سماعه،
    فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية أحق الأشياء،
    وسمعه أصم عن سماع الأصوات.
    والفريق الآخر بصير القلب سميعه،
    كبصير العين وسميع الأذن،
    فتضمنت الآية تمثيلين للفريقين،
    ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: {هل يستويان مثلا}.




    ويذكر الشيخ الشعراوي في "خواطره"
    -كما يحب أن يسمي تفسيره للقرآن-
    أنه سبحانه يضرب في هذه الآية مثلاً "بسيدي الحواس الإدراكية:
    السمع والبصر، فهما المصدران الأساسيان عند الإنسان
    لتلقي المعلومات، المسموعة والمرئية،
    ثم تتكون لدى الإنسان قدرة الاستنباط والتوليد
    مما سمعه بالأذن، ورآه بالعين...
    ولن يشك كل من الأعمى أو الأصم
    أن من يرى، أو من يسمع هو خير منه،
    ولا يمكن أن يستوي الأعمى بالبصير،
    أو الأصم بمن يسمع".




    ولا يخفى أن الغرض الأساس من ضرب هذا المثل
    التحذير من مواقعة الكفر، والدخول فيه،
    ودعوة من وقع فيه، ودخل إلى مستنقعه
    إلى الخروج منه، وعدم التمادي فيه.
    وقد جاء سبحانه في هذه الآية بالأشياء المتناقضة،
    ليَحْكُمَ الإنسان السامع أو القارئ لهذه الآية،
    وليَفْصِل بحكم يذكره بالفارق بين الذي يرى، ومن هو أعمى،
    وكذلك بين من يسمع، ومن هو أصم،
    ومن الطبيعي أن لا يستويان.




    ويُلاحَظ أن القرآن الكريم في مواطن عديدة مثَّل المؤمنين
    المهتدين بمن هو بصير سميع،
    ومثَّل الكافرين بالعُمى والصُم، نحو قوله تعالى:
    {قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون}
    (الأنعام:50)،

    وقوله سبحانه: {وما يستوي الأعمى والبصير}
    (فاطر:19)؛
    وذلك لتنبيه الناس وتحذيرهم من مغبة الكفر
    الذي يجعل صاحبه كالأعمى الذي لا يبصر ما حوله،
    وكالأصم الذي لا يدري ما يجري من حوله.

    وقد ختم سبحانه هذا المثل الحسي، بدعوة إلى التذكر،
    فقال سبحانه: {أفلا تذكرون}؛
    وذلك تنبيهاً على أنه يمكن علاج هذا العمى، وهذا الصمم.
    وإذا كان العلاج ممكناً من الضرر الحاصل
    بسبب حصول هذا العمى، وهذا الصمم،
    وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الإمكان.
    والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.




    على أن هذا المثل الوارد في هذه الآية،
    ينبغي أن يُستحضر معه قوله تعالى:
    {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}
    (الحج:46)؛
    وذلك أن الإنسان قد يكون بصيراً، أو له أذن تسمع،
    لكنه لا يستخدم حاسة الإبصار، أو حاسة السمع فيما
    خُلقتا من أجله في التقاط مجاهيل الأشياء.
    فالعبرة في المُحصلة ليست في امتلاك هاتين الحاستين المهمتين،
    بل في الاستفادة منهما، وإعمالهما فيما خُلقتا من أجله.
    وقد ذم سبحانه من زوده بحواس المعرفة،
    ثم لم يستعملها استعمالاً صحيحاً، حيث قال:
    {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها
    ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل
    أولئك هم الغافلون}
    (الأعراف:179).





    يتبع




  2. #13
    المشرف العام

    User Info Menu




    الأمثال الصريحة فى سورة الرعد





    16- " إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه"
    (الآية 14)

    17- " أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها "
    (الآية 17)



    المثل السادس عشر



    16- " إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه"
    (الآية 14)

    التفسـير
    هذا المثل عن دعاء الكافر
    فالدعاء صلة روحية بين العبد وبارئه،
    وتوجُّه نحو المعبود القادر، واستعانة بالمولى العزيز،
    وابتهال من المخلوق الضعيف إلى الخالق القوي،
    يرجوه المغفرة والعفو، ويطلب منه الرحمة والنصر،
    ويسأله التوفيق والسداد.
    والإيمان قطب الرحى الذي يدور حوله عمل المؤمن،
    وركيزة الاستجابة، ومن تعرى عن الإيمان، وكفر بمدبر
    الأرض والسماء، فمن يدعو؟ وأنى يُستجاب له؟!


    هذه المعاني وغيرها عبَّرت عنها الآية الكريمة أصدق تعبير،
    ذلك قوله عز وجل:
    {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء
    إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه
    وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}

    (الرعد:14).
    فقد قررت هذه الآية الكريمة حقيقة مهمة من حقائق الإيمان،
    لا تستقيم حياة الإنسان عموماً، وحياة المؤمن خصوصاً
    إلا بالاعتقاد بها، والتسليم لها، والخضوع لمقتضياتها،
    تلك الحقيقة تقول:
    إن الدعاء وطلب العون، وقضاء الحاجة،
    إنما يكون من الله القادر الوهاب،
    ولا يليق بالعبد المؤمن أن يتوجه إلى غيره سبحانه،
    مهما أوتي هذا الغير من قوة وجبروت،
    ومهما حاز من سطوة وملكوت.


    وقد شبهت الآية الكريمة الذين يتوجهون بالدعاء لآلهة الأرض،
    من الأصنام أو البشر، بالذي يبسط كفيه إلى الماء،
    والمراد بـ (باسط كفيه) مَنْ يغترف ماء بكفين مبسوطتين
    غير مقبوضتين؛ إذ الماء لا يستقر فيهما.
    وهذا كما يقال: هو كالقابض على الماء، في تمثيل إضاعة المطلوب.
    والماء جماد لا يشعر ببسط كفي طالبه، ولا بعطشه، وحاجته إليه،
    ولا يقدر أن يجيب دعاءه، ويبلغ فاه، فكذلك ما يدعونه - من دون الله
    لا يَحُس بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يَقْدُر على نفعهم.


    وكذلك الكفار الذين يدعون مع الله آلهة أخرى،
    لا يستجيبون لهم بشيء، ولا ينفعونهم في أشد الأوقات
    إليهم حاجة؛ لأنهم فقراء، كما أن مَن دَعوهم فقراء،
    كما قال تعالى:
    {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض
    وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير}

    (سبأ:22).
    ولذلك ختم سبحانه هذا المثل بقوله:
    {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}
    أي: إلا في ضياع، لا منفعة فيه؛
    لأنهم إن دعوا الله لم يُجِبْهم وذلك لأنهم أشركوا به،
    وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم
    لأنها لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً.


    وعلق الشيخ السعدي على هذا المثل بقوله:
    وتشبيه دعاء الكافرين لغير الله بالذي يبسط كفيه إلى الماء
    ليبلغ فاه من أحسن الأمثلة؛ فإن ذلك تشبيه بأمر محال،
    فكما أن هذا محال، فالمشبَّه به محال،
    والتعليق على المحال من أبلغ ما يكون في نفي الشيء،
    كما قال تعالى:
    {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء
    ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط}

    (الأعراف:40).


    إن كل من دعا صنماً أو حجراً لا يسمع ولا يشفع،
    أو دعا بشراً لا يضر ولا ينفع،
    فإنما يتوجه بدعائه إلى ضعيف عاجز،
    لا يملك من أمره شيئاً، فضلاً عن أن يتصرف في أمور الآخرين.
    ولا غرو، فهو إنما يدعو أوهاماً أو أوثاناً من دون الله،
    فكيف يستجيب سبحانه لدعائه،
    فلا ريب أن يكون دعاؤه هباء وخسراناً،
    ولا عجب كذلك أن يكون عمله ضياعاً لا جدوى منه.









  3. #14
    المشرف العام

    User Info Menu

    المثل السابع عشر

    17- " أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها "
    (الآية 17)

    التفسير
    هذا المثل عن الحق والباطل
    فقد تناولت الأمثال القرآنية كثيرًا من القضايا
    التي تحيط بالإنسان في هذه الحياة؛
    كقضايا الكفر والإيمان، والإيمان والنفاق،
    والهدى والضلال، والعلم والجهل، والخير والشر،
    والغنى والفقر، والحياة الدنيا والحياة الآخرة،
    وغير ذلك من القضايا.



    ومن بين تلك القضايا التي تناولتها الأمثلة القرآنية
    قضية الحق والباطل، قال تعالى:
    {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها
    فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه
    في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك
    يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء
    وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
    كذلك يضرب الله الأمثال
    } (الرعد:17).

    هذه الآية الكريمة في جملتها تبين أن الذي يصح
    ويبقى في هذه الحياة، وينتفع به الناس غاية الانتفاع
    إنما هو الحق.
    وبالمقابل فإن كل ما كان خلاف ذلك من أنواع الباطل
    لا وزن له ولا قيمة ولا اعتبار،
    وسرعان ما يزول ويضمحل.



    فهذه الآية تضمنت مثلين حسيَّين،
    يراد منهما إيصال فكرة واحدة، مفادها:
    أن الحق هو المنتصر في النهاية،
    وهو صاحب الكلمة الفصل في معركة الحياة،
    وأن الباطل هو الخاسر والمنهزم في المحصلة؛


    فالمثل الأول


    وهو قوله تعالى:
    {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها
    فاحتمل السيل زبدا رابيا}

    مضروب للماء الذي يُنـزله الله من السماء، فيتدفق في الأرض،
    فيملأ الأودية التي تشكل سيولاً جارفة، تحمل معها كل ما تصادفه
    في طريقها من القش والورق والفضلات وغير ذلك مما لا قيمة له
    في الحقيقة. ثم إن هذه السيول الجارفة تشكل على سطحها رغوة
    بيضاء على شكل فقاعات، سرعان ما يتلاشى شكلها، وينطفئ لونها.
    ويبقى الماء وحده هو الذي ينتفع به الناس، حيث يرفد الأنهار،
    ويغذي الينابيع، ويحمل معه الخير، فيحلُّ الخصب بعد الجدب،
    والنماء بعد القحط، والخير بعد الشح.


    والمثل الثاني


    هو قوله تعالى:
    {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله}
    ضربه سبحانه للنار الحامية التي تعرض عليها المعادن بأنواعها،
    ومنها الذهب والفضة، بقصد إزالة شوائبها وما خبث فيها،
    وفي أثناء عرضها على تلك النار تطفو على سطحها طبقة سائلة
    أشبه بالرغوة البيضاء التي تطفو على سطح الماء،
    لكنها سرعان ما تتلاشى في الهواء وتضمحل هنا وهناك،
    ويبقى جوهر المعدن الأصيل الذي ينتفع به الناس،
    فيصنعون منه أدواتهم، ويستعينون به على قضاء حوائجهم.


    كذلك الحق والباطل في هذه الحياة؛
    فالباطل قد يظهر، ويعلو، ويبدو أنه صاحب الجولة والكلمة،
    لكنه أشبه ما يكون بتلك الرغوة البيضاء التي تطفو على سطح
    ماء السيل، والمعدن المذاب، سرعان ما تذهب وتغيب،
    من غير أن يلتفت إليها أحد.
    في حين أن الحق، وإن بدا لبعضهم أنه قد انزوى أو غاب
    أو ضاع أو مات، لكنه هو الذي يبقى في النهاية،
    كما يبقى الماء الذي تحيى به الأرض بعد موتها،
    والمعدن الصافي الذي يستفيد منه الناس في معاشهم حلية أو متاعاً.



    وقد روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما
    قوله في هذه الآية:
    هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها.
    فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله،
    وهو قوله:
    {فأما الزبد فيذهب جفاء}، وهو الشك،
    {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}، وهو اليقين،
    كما يجعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصة، ويترك خبثه في النار.
    فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.


    وعلى نحو هذا التمثيل في الآية جاء قوله صلى الله عليه وسلم:
    (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير،
    أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب
    الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس
    فشربوا وسقوا وزرعوا،
    وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان،
    لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ،
    فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم،
    ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)

    متفق عليه.


    والذي يستفاد من التمثيل الوارد في الآية جملة أمور:



    أولها:


    أن العاقبة للمؤمنين، وأن الحق منتصر لا شك في ذلك،
    وإن كان الواقع يدل على غير ذلك؛
    وأن الباطل لا محالة زائل، وإن كان في يوم
    من الأيام ممسكاً بالراية ورافعاً لها.

    ثانيها:


    أن العمل الصالح هو الذي يبقى لصاحبه،
    وهو الذي يرجى منه الخير في الدنيا والآخرة،
    وأن العمل السيئ يذهب ولا يفيد صاحبه شيئاً.

    ثالثها:


    أن العلم والهدى هو الذي ينفع المؤمن في هذه الحياة،
    وأن الشك والباطل لا يغنيا ولن يغنيا من الحق شيئاً.


    يتبع





  4. #15
    المشرف العام

    User Info Menu




    الأمثال الصريحة فى سورة ابراهيم






    18- مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
    عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ

    (الآية - 18)

    19-
    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً
    كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء

    (الآية - 24)

    20- وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
    اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ

    (الآية - 26)



    المثل الثامن عشر



    18- مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
    عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ

    (الآية - 18)

    التفســير
    الأعمال خير تعبير عن الإنسان، من ناحية صفاته وخصاله ومزاياه.
    فهي التي تعكس حقيقة ما في نفسه، وما تنطوي عليه دخيلته من
    الخير أو الشر، والطهارة أو الخبث، والتواضع أو التكبر،
    وما إلى ذلك من الصفات التي تميز كل إنسان عن غيره.


    وتظهر حقيقة أعمال الإنسان أكثر ما تظهر
    من ناحية ارتكازها على إيمانه بالله، أو كفره به،
    فإن كان مؤمناً أشاع الخير بين الناس،
    بينما تنعكس أعمال الكافر عليه شراً ووبالاً.


    وكما أن الأعمال هي مرآة للنفس، وتعبير عن العقيدة،
    أو الفكرة التي يؤمن بها الإنسان، فإنها أيضاً طريقه إلى الآخرة،
    وسبيله إلى المصير الذي لا مفر منه.
    فكيف تتبدى أعمال الكافرين يوم القيامة،
    حيث يقوم الناس لرب العالمين للحساب؟



    لقد ضرب الله تعالى مثلاً على تلك الأعمال بالرماد
    الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف، فبددته هباءً منثوراً.
    هكذا سوف تكون الأعمال التي يأتيها الكافرون في الحياة الدنيا.
    يقول سبحانه مبيناً ذلك:
    {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم
    عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد}

    (إبراهيم:18).


    وتظهر الصورة في هذا المثل - مثل سائر صور
    الأمثال القرآنية - نقية، وجلية: فالرماد هشٌّ وخفيف،
    لا يقوى على شيء، ولا يصمد أمام أية حركة تحدث فوقه،
    فكيف إذا فجَأَهُ يوم عاصف، تقتلع رياحه العاتية كل ما يعترض
    اندفاعها، فإنها لا تكاد تصل إلى الرماد إلا وتذروه جزئيات صغيرة،
    ثم تحيل هذه الجزئيات إلى ذرات مبعثرة،
    وتقذف بها إلى البعيد البعيد، حتى يصير الرماد وكأنه في دنيا العدم،
    فمثل أعمال الكافرين، كمثل هذا الرماد، مهما تنوعت ومهما كثرت،
    تبقى بلا أدنى فائدة، أو نفع؛ لوقوعها باطلة في الأصل،
    وَفْقاً لميزان العدل الإلهي. وهذا البطلان ينعكس ويلاً وثبوراً
    على الكافرين يوم الحساب، فلا تنفعهم أعمالهم شيئاً،
    بل ترتد عليهم خسراناً مبيناً، وعذاباً أليماً، باعتبار أن الفائدة
    المرجوة من أعمال الإنسان لا تكون إلا بثواب الله العظيم،
    الذي يكافئ به عباده الصالحين.



    وبما أن أعمال الكافرين لا تُقبل يوم الحساب،
    فإنه لا يكون لهم أدنى ثواب فيها ؛ وبذلك تذهب أعمالهم
    التي قاموا بها في الدنيا أدراج الرياح، كما تذهب الريح
    في يوم عاصف بالرماد الهش الخفيف.


    وهذا ما يوجب على الإنسان أن يتبصَّرَه،
    عند القيام بأي عمل، سواء تجاه نفسه، أو تجاه الآخرين.
    فما كان من أعماله خالصاً لله تعالى، موافقاً لشرعه، كان مقبولاً،
    ونال الثواب عليه. وما كان منها لغير الله تعالى، فهو غير مقبول.
    وهو لن يذهب هدراً وحسب، بل ويجعل صاحبه وقوداً لنار جهنم
    المستعرة، حيث يعاني فيها وطأة العذاب الأليم، والعقاب المهين.


    وقال الرازي في بيان وجه المشابهة بين هذا المثل
    وبين هذه الأعمال: "إن الريح العاصف تطيِّرُ الرماد،
    وتفرق أجزاءه، بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر،
    فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم، وأحبطها،
    بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر، ولا أثر".


    والغرض الرئيس من هذا المثل، هو أن يقف الإنسان موقف تأمل؛
    ليتبين قيمة الأعمال التي يقوم بها، والمصير الذي سوف يؤول إليه؛
    وليتبين له الرشد من الغي، وليهتدي إلى طريق الخلاص
    قبل فوات الأوان.









  5. #16
    المشرف العام

    User Info Menu

    المثل التاسع عشر


    19-
    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً
    كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء

    (الآية - 24)

    التفســير
    ثبت في الحديث أن أفضل كلمة قالها الناس قول: لا إله إلا الله؛
    تلك الكلمة التي قامت عليها السماوات والأرض،
    وهي الكلمة الفصل بين الحق والباطل،
    وهي فيصل التفرقة بين الكفر والإيمان،
    إنها خير كلمة عرفتها الإنسانية،
    تلك الكلمة التي أخذها الله سبحانه عهداً على بني آدم،
    وهم في بطون أمهاتهم، وأشهدهم عليها،
    قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم
    وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}

    (الأعراف:172).


    ولأهمية كلمة التوحيد ودورها في حياة الأفراد والأمم،
    فقد ضرب الله لها مثلاً في القرآن، فقال سبحانه:
    {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت
    وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها
    ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون *

    (إبراهيم:24-25)



    ذكر المفسرون أن المراد بـ (الكلمة الطيبة)
    شهادة أن لا إله إلا الله، أو المؤمن نفسه

    وهذا المثل القرآني جاء عقيب مثل ضربه سبحانه لبيان حال
    أعمال الكفار، وهو قوله تعالى:
    {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد
    اشتدت به الريح في يوم عاصف}

    (إبراهيم:18)،
    فذكر تعالى مثل أعمال الكفار، وأنها كرماد اشتدت به الريح
    في يوم عاصف، ثم أعقب ذلك ذكر مثل أقوال المؤمنين.



    ووجه هذا المثل أنه سبحانه شبه الكلمة الطيبة -
    وهي كلمة لا إله إلا الله وما يتبعها من كلام طيب-
    بالشجرة الطيبة، ذات الجذور الثابتة والراسخة في الأرض،
    والأغصان العالية التي تكاد تطال عنان السماء،
    لا تنال منها الرياح العاتية، ولا تعصف بها العواصف الهوجاء،
    فهي تنبت من البذور الصالحة، وتعيش في الأرض الصالحة،
    وتجود بخيرها في كل حين، ثم تعلو من فوقها بالظلال الوارفة،
    وبالثمار الطيبة التي يستطيبها الناس ولا يشبعون منها،
    فكذلك الكلمة الطيبة تملأ النفس بالصدق والإيمان،
    وتدخل إلى القلب من غير استئذان، فتعمل به ما تعمل.


    وقد روى الطبري عن الربيع بن أنس رضي الله عنه
    في قوله تعالى: {كلمة طيبة}، قال: هذا مثل الإيمان،
    فالإيمان الشجرة الطيبة،
    وأصله الثابت الذي لا يزول الإخلاص لله،
    وفرعه في السماء، فرعه خشية الله.



    وهذه الشجرة أيضاً مثلها كالمؤمن، فهو ثابت في إيمانه،
    سامٍ في تطلعاته وتوجهاته، نافع في كل عمل يقوم به،
    مقدام مهما اعترضه من صعاب، لا يعرف الخوف إلى قلبه سبيلاً،
    معطاء على كل حال، لا يهتدي البخل إلى نفسه طريقاً،
    فهو خير كله، وبركة كله، ونفع كله.


    وعلى هذا يكون المقصود بالمثل تشبيه المؤمن، وقوله الطيب،
    وعمله الصالح، بالشجرة المعطاء، لا يزال يُرفع له عمل صالح
    في كل حين ووقت، وفي كل صباح ومساء.









  6. #17
    المشرف العام

    User Info Menu

    المثل العشرون


    20-
    وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
    اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ

    (الآية - 26)

    التفســير
    ذكر المفسرون أن المراد بـ ( الكلمة الخبيثة )
    كلمة الشرك، أو الكافر نفسه.

    أما الكلمة الخبيثة، وهي كلمة الشرك -وما يتبعها من كلام خبيث-
    فهي على النقيض من ذلك، كلمة ضارة غير نافعة،
    فهي تضر صاحبها، وتضر ناقلها، وتضر متلقيها،
    وتضر كل من نطق بها، وتسيء لكل سامع لها،
    إنها كلمة سوء لا خير فيها، وكلمة خُبْثٍ لا طيب فيها،
    وكلمة مسمومة لا نفع فيها؛



    فهي كالشجرة الخبيثة، أصلها غير ثابت، ومذاقها مر،
    وشكلها لا يسر الناظرين، تتشابك فروعها وأغصانها،
    حتى ليُخيَّل للناظر إليها أنها تطغى على ما حولها من الشجر
    والنبات، إلا أنها في حقيقة أمرها هزيلة، لا قدرة لها على
    الوقوف في وجه العواصف والأعاصير، بل تنهار لأدنى ريح،
    وتتهاوى لأقل خطر يهددها؛ إذ ليس من طبعها الصمود والمقاومة،
    وليس من صفاتها الثبات والاستقرار،
    إنها شجرة لا خير يرتجى منها، فطعمها مر،
    وريحها غير زاكية، فهي شر كلها، وخبث كلها، وسوء كلها.


    وهكذا الكافر، لا ثبات له في هذه الحياة ولا قرار،
    فهو متقلب بين مبدأ وآخر، وسائر خلف كل ناعق،
    لا يهتدي إلى الحق سبيلاً، ولا يعرف إلى الخير طريقاً،
    فهو شر كله، اعتقاداً وفكراً، وسلوكاً وأخلاقاً، وتطلعاً وهمة.



    روي عن قتادة في هذه الآية
    (أن رجلاً لقي رجلاً من أهل العلم فقال له:
    ما تقول في الكلمة الخبيثة ؟
    قال: لا أعلم لها في الأرض مستقراً، ولا في السماء مصعداً،
    إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها يوم القيامة).


    وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله سبحانه:
    {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة
    اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}،
    قال: ضرب الله مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر.
    يقول: إن الشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار،
    يقول: الكافر لا يقبل عمله، ولا يصعد إلى الله،
    فليس له أصل ثابت في الأرض، ولا فرع في السماء.
    (رواه الطبري).



    على أنه قد ورد في بعض الروايات أن الشجرة الطيبة
    التي ورد ذكرها في الآية هي شجرة النخل،
    وأن الشجرة الخبيثة هي شجرة الحنظل؛
    يرشد لذلك ما رواه أبو يعلى في "مسنده"عن أنس رضي الله عنه،
    أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بطبق عليه ثمر نخل،
    فقال:
    (مثل {كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء *
    تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} هي النخلة،
    {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها
    من قرار} قال: (هي الحنظل).


    وروى الطبري عن أنس رضي الله عنه
    في قوله تعالى: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة}،
    قال: تلكم الحنظل، ألم تروا إلى الرياح كيف تصفقها يميناً وشمالاً؟



    فإذا كانت الشجرة الطيبة رمز العطاء والبذل،
    فإن كلمة التوحيد رمز العبودية لله، ودليل الإخلاص له،
    وبرهان الاعتماد عليه.
    وإذا كانت الشجرة الطيبة عنوان الخير والجود،
    فإن المؤمن خير كله، وبركة كله، وطيب كله.


    ولا شك أن القرآن حين يضرب مثلاً لكلمة التوحيد أو للمؤمن
    بالشجرة الطيبة الخيرة المعطاء، يكون قد أوصل الفكرة
    التي أراد إيصالها بشكل أكثر وضوحاً، وأشد بياناً من أن
    يأتي بتلك الفكرة مجردة، خالية من أي تمثيل أو تشبيه.
















  7. #18
    المشرف العام

    User Info Menu



    الأمثال الصريحة فى سورة النحل





    21-
    ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ
    وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا
    هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
    (الآية - 75)

    22-
    وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ
    لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ
    أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن
    يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .
    (الآية - 76)

    23-
    وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً
    يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
    فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.
    (الآية - 112)



    المثل الحادى والعشرون



    21-
    ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ
    وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا
    هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
    (الآية - 75)

    التفســير
    من الأساليب الفنية التي استعملها الخطاب القرآني
    لتوصيل خطابه وكشف معانيه، وإبراز مقاصده،
    أسلوب ضرب المثل، وهو أسلوب قرآني بارز
    وملحوظ في القرآن الكريم.

    ووقفتنا اليوم مع آية قرآنية سيقت مساق ضرب المثل
    لمن يعمل بطاعة الله، ويلتزم حدوده وشرعه،
    ومن يُعرض عن ذلك فلا يكترث بشرع، ولا يقيم وزنًا لدين.



    يقول جلا علاه في محكم تنزيله:
    {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء
    ومن رزقناه منا رزقًا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا
    هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}

    (النحل:75)

    والآية - كما هو ظاهر - مثَّلت لحالين،
    وإن شئت قل: أبرزت موقفين متباينين متعارضين؛
    الأول:
    حال العبد الذي لا يملك من أمره شيئًا، بل هو في موقف المنفعل،
    والمتأثر، والمتلقي لما يلقى عليه من أوامر ونواهٍ؛
    والثاني:
    حال الحر المالك لأمره، الفاعل وفق هدي ربه،
    والمؤثر فيمن حوله.



    قال أهل التفسير في معنى الآية:
    هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن،
    فالكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيرًا، ولم يعمل فيه بطاعة الله،
    بل أخذ ينفقه فيما لا يرضي الله سبحانه، ويستخدمه فيما لم يُشرع
    المال لأجله؛
    والمؤمن الذي رزقه الله رزقًا حسنًا، فهو يعمل فيه بطاعة الله،
    ويؤدي به شكره، ويعرف حق الله فيه،
    فشتان بين الموقفين؛
    موقف المعرض عما أمر الله به، والجاحد لما أنعم به عليه،
    وموقف المقبل على أمر ربه، والعارف لما أسبغ عليه من نعمه،
    فشتان ما هما {هل يستويان مثلا} ولكن أكثر الناس لا يعلمون،
    بل هم عن ذلك غافلون.


    ولا بأس أن تعلم، أن بعض المفسرين رأى أن المقصود في المثل
    المضروب في الآية، بيان الفرق بين خالق العباد ومدبر أمرهم،
    وبين الأصنام التي تعبد من دون الله، ولا تملك لنفسها نفعًا
    ولا ضرًا، فضلاً عن أن تملك ذلك لغيرها.

    وحاصل المعنى وفق هذا التفسير: أنه كما لا يستوي
    - عقلاً ولا عادة - عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء،
    ورجل حر قد رزقه الله رزقًا حسنًا فهو ينفق منه،
    كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق، والأصنام التي تعبد من الله،
    وهي لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع، ولا تخفض ولا ترفع.



    المثل الثانى والعشرون


    22-وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ
    لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ
    أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن
    يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .
    (الآية - 76)

    التفســير
    إن لهذه الآية ارتباط وثيق بالآية التي تسبقها مباشرة،
    وهي قوله تعالى:
    ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ
    وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا
    هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
    (الآية - 75)



    و( الكَلُّ) في الآية - بفتح الكاف - العالة على الناس،
    وفي الحديث: (من ترك كَلاً فإليَّ) رواه البخاري،
    أي من ترك عيالاً فأنا كفيلهم،
    وأصل (الكَلِّ) الثقل.
    و(الأبكم) هو الكافر،
    شُبِّه بذلك لعجزه عن إدراك الحق، والانقياد له،
    وتعذر الفائدة منه في سائر أحواله.
    و(العدل) الحق والصواب الموافق للواقع؛
    والذي {يأمر بالعدل} هو مثل للمؤمن الذي وُفِّق لإدراك الحق،
    وهُدي إليه، فعمل به، وجاهد لأجله، وعاش صابرًا
    ومصابرًا تحت لوائه.


    على أننا نفهم من هذا المثل الثاني، المضروب للتفريق بين الكافر
    والمؤمن، ما هو أعم من ذلك وأشمل، وهو أن يكون مثالاً لبيان
    الفارق بين المؤمن العامل والمؤمن الخامل،
    والمؤمن الفاعل والمؤمن المنفعل، والمؤمن الإيجابي والمؤمن
    السلبي، والمؤمن المتفائل والمؤمن المتشائم، والمؤمن المؤثر
    والمؤمن المتأثر...إلى غير ذلك من الصفات الفارقة والفاصلة
    بين الموقفين؛



    موقف مقدام غير هيَّاب، كل همه العمل بما يرضي الله،
    والسير على نهج خالقه، لا ينفتل إلى غير ذلك؛
    وموقف متردد خوار لا يدري ما هو فاعل،
    ولا إلى أين هو يتجه؛
    وشتان بين أن يكون المؤمن كَلاًّ، وبين أن يكون عدلاً،
    فالأول قاعد ينتظر من السماء أن تمطر عليه ذهبًا أو فضة،
    والثاني ساع في الأرض في مناكبها، آخذ بأسباب الرزق والعمل،
    متوكل على الله في أمره كله.

    فالعمل العمل عباد الله، والجد الجد أخي المؤمن،
    فاعرف دورك في هذه الحياة، وحدد وجهتك التي هي مقصدك،
    وتوكل على الله فهو حسبك، واستعن بالله ولا تعجز،
    إنه نعم المولى ونعم النصير.








  8. #19
    المشرف العام

    User Info Menu

    المثل الثالث والعشرون


    23-
    وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً
    يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
    فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.
    (الآية - 112)

    التفســير
    أقام سبحانه هذا الكون وفق سنن محكمة، وقوانين مطردة،
    من أخذ بها نجا وسلم وأفلح، ومن غفل أو أعرض عنها،
    فقد خسر خسراناً مبيناً.
    ومن سنن الاجتماع التي أقام عليها سبحانه نظام هذا الكون
    سُنة قيام المجتمعات والدول وزوالها، تلك السُّنَّة التي تقرر أن
    أمر المجتمعات إنما يدوم ويستقر إذا أقامت شرع الله فيها،
    وأن أمرها يؤول إلى زوال واضمحلال، إذا أعرضت
    عن ذكر الله، وتنكبت سنن الهداية والرشاد.



    وقد ضرب سبحانه مثلاً واقعياً يُجلِّي هذه السُّنَّة الاجتماعية،
    ويظهرها أظهر بيان، ذلك ما نقرأه في قوله تعالى:
    {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة
    يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله
    فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}
    (النحل:112)،

    فقد جعل سبحانه (القرية) -والمراد أهلها- التي هذه حالها
    مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعم، فكفروا بها،
    وتولوا عن أمر ربهم، فأنزل الله بهم عقوبته،
    وأبدلهم نقمة بعد ما كانوا فيه من نعمة.



    ويذكر المفسرون أن هذا المثل، ضربه سبحانه لبيان
    ما كان عليه حال أهل مكة؛ لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة
    والخصب، ثم أنعم الله عليهم بالنعم العظيمة، وهو محمد صلى الله
    عليه وسلم، فكفروا به، وبالغوا في إيذائه،
    فسلط الله عليهم البلاء والوباء.
    وقد قالوا هنا: عذبهم الله بـ (الجوع) سبع سنين،
    حتى أكلوا الجيف، والعظام،
    أما (الخوف) فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم
    كان يبعث إليهم السرايا، فيغيرون عليهم.



    وهذا الذي نزل بهم إنما كان بسبب موقفهم من دعوة رسول
    الله صلى الله عليه وسلم، وإعراضهم عن الهدي الذي
    جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، فكان عاقبتهم أن
    أذاقهم {الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}.


    ولا يهمنا في هذا السياق تحديد (القرية) المرادة في هذا المثل،
    هل هي مكة -كما ذهب لذلك أكثر المفسرين،
    أو أن يُراد قرية من قرى الأولين-،
    بل المهم بيان أمر هذه (القرية)، وكيف كان حالها من الرخاء،
    والسعة في الرزق، والبسط في العيش،
    ثم إنها تنكبت عن شرع الله، فضربها الله مثلاً لعباده؛
    إنذاراً من مثل عاقبتها.



    والغرض الرئيس من هذا المثل بيان أن التزام شرع الله
    هو الأساس الذي تُحفظ به الدول، وتستقر به المجتمعات،
    وأن الإعراض عنه يؤدي بها إلى الهلاك والزوال،
    مصداق ذلك غير الآية التي معنا قوله عز وجل:
    {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات
    من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}

    (الأعراف:96)،
    وقوله سبحانه أيضاً:
    {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}
    (هود:102).


    ولا يُغرنك في هذا الصدد ما تراه من استقرار الأمم،
    وازدهار الدول التي لا تطبق شرع الله، ولا تقيم له وزناً،
    فإنها في حقيقة أمرها إنما هي تمر بالمرحلة الأولى
    التي ذكرها هذا المثل، وهي مرحلة الأمن والطمأنينة؛
    لينظر الله ماذا عساها تعمل، وماذا عساها تصنع،
    والعبرة بالخواتيم والنهايات،
    وقد يُستأنس في هذا الشأن بقوله تعالى:
    {بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر}
    (الأنبياء:44).


    ومن المهم أن نلفت الانتباه إلى أن هذه السُّنَّة في الاجتماع،
    وهي سُنَّة يصح أن نطلق عليها سُنَّة الصعود والهبوط،
    والأمن والخوف، والسعة والضيق،
    نقول: إن هذه السُّنَّة كما تنطبق على المجتمعات والدول،
    فهي تنطبق كذلك على الأفراد والجماعات،
    فالإنسان الذي يعيش في نعمة، ولا يرعى هذه النعمة،
    ولا يقدرها قدرها، ولا يشكر واهبها،
    فلا جرم أن يُحرم من تلك النعمة، وأن يسلبها الله إياها؛
    لكفرانه بها، وجحده بمانحها وواهبها.













  9. #20
    المشرف العام

    User Info Menu




    الأمثال الصريحة فى سورة الكهف






    24- وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ
    وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا
    (الآية-32)

    25-
    وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ
    مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا
    تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا
    (الآية-45)




    المثل الرابع والعشرون



    وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ
    وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا
    وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ
    لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ
    جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)
    وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا
    مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ
    تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا
    أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ
    لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي
    أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ
    فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ
    طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا
    وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)
    وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)
    هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)

    التفســير

    من مقاصد الأمثال في القرآن الكريم تربية الإنسان تربية إيمانية،
    بحيث يكون إنساناً صالحاً، يسعد به المجتمع غاية السعادة،
    وتحتفي به الإنسانية أشد الاحتفاء. فالإنسان هو الغاية الأولى
    والمقصد الأهم الذي يهتم به الخطاب القرآني عموماً،
    والمثل القرآني على وجه الخصوص.



    والمثل في القرآن كما يتناول الإنسان في تكوينه ونشأته،
    فهو كذلك يتناوله في مصدر رزقه وتقلبه في معيشته
    وسعيه ونشاطه.

    واستناداً لما تقدم، يضرب لنا القرآن الكريم مثلاً لرجلين،
    أحدهما:
    كافر يملك أملاكاً يفاخر بها من حوله،
    ويجادل في الله بغير حق.
    وثانيهما:
    مؤمن لا يملك من الثروة ما يملكه ذاك الكافر الجاحد،
    بيد أنه قانع بما قسمه الله له من رزق،
    طامع بعطاء الله وسعة فضله.


    يوضح هذا المثل القرآني ما يتميز به الناس بعضهم عن بعض
    في التفكير والاعتقاد تجاه واهب الأقوات، ومقدر الأرزاق.
    وهو يمثل نموذجاً واقعيًّا للإنسان في سلوكه وانفعالاته النفسية،
    وفي نمط عيشه، وكل ما يتعلق بكيانه ووجوده.

    فمن الناس -وَفْقاً لهذا المثل القرآني- من تغلب عليه طباع الغرور،
    والاعتزاز بالأملاك والمال، فيظن أن ما وصل إليه في دنياه إنما هو
    من صنيع يده، دون التفكير بأن {الله هو الرزاق ذو القوة المتين}
    (الذاريات:58)، وأنه هو الذي يعطي ويمنع، وأنه هو الذي يضر
    وينفع؛ لأنه سبحانه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك
    ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير
    وهو على كل شيء قدير.


    وسياق الآيات التي سيق من خلالها هذا المثل يفيد أن الصحبة
    جمعت بين رجلين؛ لأحدهما جنتان تحفلان بالبساتين العامرة
    بالأشجار والزروع، وهذا ما جعله يزهو بنفسه، ويفاخر بملكه.
    وفي أثناء موسم العطاء الزراعي يمر به صاحبه المؤمن،
    فيطوف صاحب البستان بصاحبه في أرجاء بستانه؛ ليريه ما عنده،
    ويدور بينهما الحوار التالي:



    قال المفاخر بماله لصاحبه المؤمن:
    أرأيت هذه البساتين وما يحف بها من الظلال الوارفة،
    والأشجار المثمرة، وما يتخللها من الأنهار المتدفقة؟
    كل ذلك يجعلني -يا صاحبي- أعظم منك ثروة،
    وأكثر منك ذرية، وكل ذلك بجهدي وقوتي وعلمي وعملي..!


    وبعد جولة في أرجاء هذه البساتين الغَنَّاء، يتابع المتباهي
    حديثه مع صاحبه بلغة الظن التي هي أقرب منها إلى لغة اليقين،
    فيقول له:
    ما أظن أن هذه البساتين سوف تفنى وتبيد، وما أظن أن وراء هذه
    الحياة الدنيا حياة أخرى، وعلى فرض أن ثمة حياة وراء هذه الحياة،
    فإن هذه الأملاك التي أتمتع بها، وأعيش في رحابها سوف تكون
    شافعاً لي إذ ذاك..!


    فينظر إليه صاحبه المؤمن متعجباً مما يقول، ثم يجيبه
    -وهو يعلم علم اليقين أن المال لله تعالى، وأنه القابض والباسط-:
    أكفرت بأنعم الله عليك؟ إن الله خلقك من تراب، ثم من نطفة،
    ثم سواك رجلاً على الصورة التي أنت عليها الآن،
    وأمدك بكل الأسباب التي جعلتك على ما أنت عليه من خير
    ونعيم في المال والبنين..فهل فكرت بأن كل ذلك من
    عطاء الله القدير، ومن فضل ربك الكريم.


    ثم يتابع المؤمن وعظه لصاحبه قائلاً:
    أما أنا، فإنني أومن بالله رباً، إلهاً واحداً لا شريك له،
    وأنا أنصحك بأن تسلك مسلك الإيمان، فتؤمن بالله الذي
    منحك الصحة والعافية والمال والبنين، وأن تتبرأ من حولك
    وقوتك، تلك القوة التي لولا أن أمدك الله بها لما كان لديك
    ما لديك، ولكان لك شأن غير الشأن الذي أنت عليه الآن.


    ويستمر المؤمن محاوراً صاحبه المغرور، ومحاولاً إقناعه بأن
    ما عليه من غرور سوف يعود عليه بالوبال والنكال، فيقول:
    إنك إن رأيتني أني أقل منك مالاً وولداً، فهذا من أمر الله،
    فهو سبحانه الذي قدر لي رزقي، ووهب لي ذريتي،
    ولا أملك إلا أن أحمده على ما أنعم علي من رزق، وأشكره
    على ما وهبني من عطاء جزيل. ثم ما يدريك -يا صاحبي-
    أن يمنَّ الله عليَّ في قابل الأيام خيراً مما منَّ الله به عليك،
    فليس الغنى وقفاً على أحد، ولا الفقر ملازماً لأحد،
    وقد قال تعالى: {والله يقبض ويبسط} (البقرة:245)،


    فالرزق يأتي ويذهب، وإن من يظن أن ما لديه من مال إنما هو
    من جهده وكده فهو إنسان مغرور بنفسه، جاهل بربه، جاحد لنعمه.
    وإن كنت تظن أن هذه البساتين التي أعطاك الله إياها لن تبيد،
    فأنت مغرور في ظنك، فالله قادر على أن يرسل عليها الصواعق
    الماحقة، والنوازل المهلكة، فتصبح أشجارها جرداء فانية، كأن لم
    تكن مثمرة، وتصبح أرضها صلداء ملساء لا يستقر فيها ماء، ولا
    ينبت فيها ثمار. وما يدريك أن يأمر الله ماء هذا النهر الذي ينساب
    في أرضك أن يختفي في باطن الأرض، فمن أين لك حينئذ أن تأتي
    بالماء لتسقي به الأرض والحرث، وتنمي به الزرع والنخل؟



    ويختم المؤمن نصحه لصاحبه المغرور بالقول:
    فاتق الله الذي وهب لك المنح والنعم، وارجع إلى نفسك،
    فحاسبها على ما فرطت في جنب الله، وردها عن غيها
    وغرورها، واعترف بالفضل والمنة لذي العزة والجبروت.

    بيد أن ذلك الجاحد المغرور لم يفلح معه نصح ولا إرشاد،
    بل ظل معانداً للحق، مكابراً بأن علمه هو الذي أنشأ تلك البساتين
    المثمرة، وأن جهده هو الذي جعلها تؤتي أكلها..



    ولكن ها هو ذا يرى بعيني رأسه عاقبة غروره، ومآل سوء الظن
    بربه؛ فقد نزلت النازلة بكل ما يملك، وأحيط به من كل جانب؛
    فإذا به بين عشية وضحاها يجد أن كل شيء في حوزته قد ذهب
    هباء منثوراً، وأصبح شيئاً منكوراً..
    فما كان مثمراً بالأمس أصبح يابساً اليوم، وما كانت تدب به الحياة
    من عهد قريب أضحى ميتاً بفعل القوي العزيز..
    فلما رأى ذلك المغرور ما نزل به من بلاء وما حاق به من مصاب
    أخذ يعض أصابع الندم، وصار يتحسر أشد التحسر على ما كان منه
    من جحود وغرور، وانتهى به الأمر إلى أن يقول:
    {يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} (الكهف:42)،
    وقد جعله ما نزل به يدرك أن ادعاءه بقوته، وغروره بنفسه هو
    شرك بالله تعالى، وأيقن أن الأمر كله مرجعه إلى الله وحده،
    و{أن القوة لله جميعا} (البقرة:165).
    وأدرك فوق ذلك، أن ما كان له من مال وولد،
    لم يكن ليغني عنه من الله شيئاً، وأن لا سبيل إلى تعويض
    ما أخذه الله منه، فعلم أن وعد الله حق، وندم ولات ساعة مندم.


    وعلى ضوء ما تقدم، يتبين لنا أن المقصد الأساس من هذا المثل
    القرآني تربية الإنسان تربية سوية، بحيث لا تأخذه العزة بالإثم،
    ولا يأخذه الغرور بادعاء العلم، ولا تسلبه النعم نعمة الاعتراف
    بفضل خالقه ورازقه، وذلك مهما زينت له هذه الحياة الدنيا من
    علم واسع أو ملك عريض.


    فمن الخير -كل الخير- للإنسان أن يحمد ربه على ما أمده من نعم،
    وأن يشكره على ما رزقه من عطاء، وأن يؤمن بحق أن
    {الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} (آل عمران:73)
    و{أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} (الروم:37).
    وهو سبحانه الذي يجزي على النوايا، ويثيب على الأفعال.
    فالدنيا -في المحصلة- دار ابتلاء وفناء،
    والدار الأخرى دار قرار واستقرار،
    والولاية والملك لله الواحد القهار.








  10. #21
    المشرف العام

    User Info Menu

    المثل الخامس والعشرون


    25-
    وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ
    مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا
    تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا
    (الآية-45)

    التفســير
    وصف سبحانه الحياة وزينتها في موضعين من كتابه،
    بأنها: { متاع الغرور } (آل عمران:185)؛
    وجاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم:
    ( إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها،
    فينظر كيف تعملون )
    رواه مسلم .
    وواقع الناس في كل زمان ومكان يدل على مدى تعلقهم
    بزينة الحياة الدنيا وزخرفها، والعمل لأجلها صباح مساء،
    وكأنهم خالدون فيها مخلدون؛ إما طلبًا للجاه، أو طلبًا للمال،
    أو طلبًا للشهرة، أو طلبًا لغير ذلك من الشهوات والملذات؛
    الأمر الذي يجعلهم مشدودين إلى مكاسبها، مشدوهين بمغرياتها،
    لاهثين خلف سرابها .



    وقد ضرب سبحانه في محكم كتابه مثلاً لهذه الحياة،
    فقال جل من قائل:
    وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ
    مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا
    تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا
    (الكهف: الآية-45)

    يقول ابن كثير فى تفسير الآية:

    يقول تعالى : ( واضرب ) يا محمد للناس ( مثل الحياة الدنيا ) في
    زوالها وفنائها وانقضائها ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به
    نبات الأرض )
    أي : ما فيها من الحب ، فشب وحسن ، وعلاه
    الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله ( فأصبح هشيما ) يابسا
    ( تذروه الرياح ) أي : تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال
    ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) أي : هو قادر على هذه الحال .



    وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل
    كما في سورة " يونس " :
    ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط
    به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت
    الأرض زخرفها وازينت )
    ... الآية
    [ يونس : 24 ] ،


    وقال في سورة " الزمر " :
    ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في
    الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه
    مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب )

    [ الزمر : 21 ] ،


    وقال في سورة " الحديد " :
    ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر
    بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب
    الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي
    الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان
    وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور )

    [ الحديد : 20 ] .


    وفي الحديث الصحيح : " الدنيا حلوة خضرة "


    ويقول السعدى:
    يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :
    اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور،
    ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية،
    ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار.


    وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض،
    فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها
    تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين،
    إذ أصبحت هشيما تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر،
    والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابا،
    قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب،



    كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على
    أقرانه وأترابه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته
    أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال
    فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره،
    وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته
    وماله، وانفرد بصالح، أو سيئ أعماله،


    هنالك يعض الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه،
    ويتمنى العود إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك
    ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات،


    فالعاقل الجازم الموفق، يعرض على نفسه هذه الحالة،
    ويقول لنفسه: قدري أنك قد مت، ولا بد أن تموتي،
    فأي: الحالتين تختارين؟
    الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة،
    أم العمل، لدار أكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ
    الأعين؟ فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه.



    ويقول الشيخ الشعراوى
    وهكذا الدنيا تبدو جميلة مُزهِرة مُثمِرة حُلْوة نَضِرة،
    وفجأة لا تجد في يديك منها شيئاً؛
    لذلك سماها القرآن دُنْيا وهو اسم يُوحي بالحقارة،
    وإلا فأيّ وصف أقل من هذا يمكن أن يصفها به؟
    لنعرف أن ما يقابلها حياة عُلْيا.


    وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:
    كما ضربتُ لهم مَثَل الرجلين وما آل إليه أمرهما ،
    اضرب لهم مثل الحياة الدنيا وأنها تتقلّب بأهلها، وتتبدل بهم،
    واضرب لهم مثلاً للدنيا من واقع الدنيا نفسها.


    ومعنى {فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض} [الكهف: 45]
    أي: اختلط بسببه نبات الأرض، وتداخلَ بعضُه في بعض،
    وتشابكتْ أغصانه وفروعه، وهذه صورة النبات في الأرض
    الخِصْبة، أما إنْ كانت الأرض مالحة غير خِصْبة فإنها
    تُخرِج النبات مفرداً، عود هنا وعود هناك.



    لكن، هل ظل النبات على حال خُضْرته ونضارته؟
    لا، بل سرعان ما جفَّ وتكسر وصار هشيماً تطيح
    به الريح وتذروه،
    هذا مثلٌ للدنيا حين تأخذ زخرفها وتتزيَّن،
    كما قال تعالى:
    {حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ
    قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً..}
    [يونس: 24].


    ثم يقول تعالى:
    {وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} [الكهف: 45]
    لأنه سبحانه القادر دائماً على إخراج الشيء إلى ضِدّه،
    كما قال سبحانه:
    {وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18].
    فقد اقتدر سبحانه على الإيجاد، واقتدر على الإعدام،
    فلا تنفكّ عنه صفة القدرة أبداً،
    أحيا وأمات، وأعزَّ وأذلَّ،
    وقبض وبسط، وضَرَّ ونفع.





  11. #22
    المشرف العام

    User Info Menu




    الأمثال الصريحة فى سورة الحج





    26- حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ
    فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
    أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
    (الحج-الآية31)

    27- يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
    إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا
    وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا
    يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
    (الحج-الآية73)



    المثل السادس والعشرون


    26- حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ
    فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
    أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
    (الحج-الآية31)

    التفســير
    ضرب الله سبحانه وتعالى للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه
    وبعده عن الهدى فقال :
    ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) أي : سقط منها ،
    ( فتخطفه الطير ) ، أي : تقطعه الطيور في الهواء ،
    ( أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) أي : بعيد مهلك لمن هوى فيه


    ولهذا جاء في حديث البراء :
    " إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت ، وصعدوا بروحه إلى السماء ،
    فلا تفتح له أبواب السماء ، بل تطرح روحه طرحا من هناك " .
    ثم قرأ هذه الآية


    وقد ضرب [ الله ] تعالى للمشرك مثلا آخر في سورة " الأنعام " ،
    وهو قوله :
    ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا
    بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له
    أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى
    وأمرنا لنسلم لرب العالمين )
    [ الأنعام : 71 ] .



    فمن أشرك باللّه فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية،
    فقد صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير،
    فتفرق مزعا في حواصلها،
    أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة.


    فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء،
    والذي ترك الإيمان وأشرك باللّه بالساقط من السماء،
    والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة،
    والشيطان الذي يطوّح به في وادى الضلالة بالريح
    التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة.



    يقول الشيخ الشعراوى
    ويعطينا الحق سبحانه صورة توضيحية لعاقبة الشرك:
    {وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير
    أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ..}
    [الحج: 31].
    خرَّ: يعني سقط من السماء لا يُمسكه شيء،
    ومنه قوله تعالى:
    {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ..} [النحل: 26].


    وفي الإنسان جمادية؛ لأن قانون الجاذبية يتحكم فيه،
    فإنْ صَعِد إلى أعلى لابد أنْ يعود إلى الأرض بفعل هذه الجاذبية،
    لا يملك أنْ يُمسِك نفسه مُعلَّقاً في الهواء،
    فهذا أمر لا يملكه وخارج عن استطاعته،

    وفي الإنسان نباتية تتمثل في النمو،
    وفيه حيوانية تتمثل في الغرائز،
    وفيه إنسانية تتمثل في العقل والتفكير والاختيار بين البدائل،
    وبهذه كُرِّم عن سائر الأجناس.


    وتلحظ أن(خرَّ) ترتبط بارتفاع بعيد
    {خَرَّ مِنَ السمآء..} [الحج: 31]
    بحيث لا تستطيع قوة أنْ تحميه، أو تمنعه لا بذاته ولا بغيره،
    وقبل أنْ يصل إلى الأرض تتخطفه الطير،
    فإنْ لم تتخطفه تهوي به الريح في مكان بعيد وتتلاعب به،
    فهو هالك هالك لا محالةَ،
    ولو كانت واحدة من هذه الثلاث لكانت كافية.


    وعلى العاقل أنْ يتأمل مغزى هذا التصوير القرآني
    فيحذر هذا المصير، فهذه حال مَنْ أشرك بالله،
    فإنْ أخذتَ الصورة على أنها تشبيه حالة بحالة،
    فها هي الصورة أمامك واضحة،
    وإنْ أردتَ تفسيراً آخر يُوضِّح أجزاءها:
    فالسماء هي الإسلام، والطير هي الشهوات،
    والريح هي ريح الشيطان، يتلاعب به هنا وهناك.
    فأيُّ ضياع بعد هذا؟ ومَنْ ذا الذي ينقذه من هذا المصير؟



    ويوضح الدكتور محمد راتب النابلسى
    أن الشرك نوعان:
    شرك جلي و شرك خفي،
    الشرك الجلي قلما نجده في العالم الإسلامي
    لأن الله سبحانه وتعالى بعد أن أنزل الكتاب على عبده
    وانتشر الهدى يئس الشيطان أن يُعبد غير الله في بلاد المسلمين،
    أن يكون هناك إلها كاللات و العزى تُعبد من دون الله تعالى
    بعد بعثة المصطفى هذا مستحيل،
    عَنْ جَابِرٍ قَالَ
    قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    (( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ
    وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهم ))

    [رواه الترمذي]


    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:
    (( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ
    الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ
    الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ
    يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))

    [رواه ابن ماجه]


    فضعف الإخلاص من ضعف التوحيد
    و ضعف المحبة لله من ضعف التوحيد،
    والنفاق من ضعف التوحيد و التملق من ضعف التوحيد
    و الخوف من ضعف التوحيد،
    فأمراض النفس الوبيلة واحدة واحدة لو حلّلتها
    لوجدتها من ضعف التوحيد.










صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •