بين علم النفس والطبّ النفسي: النظرة الاجتماعية إلى العلاج النفسيّ








النفس السليمة تنعكس على الجسد السليم.


وكذلك الاعتلال النفسيّ يولّد مشاكل جسديّة جمّة، تتراوح من النفسجسدية

إلى المزمنة أو حتى الحادة. فالإنسان كائن حسّاس لا بدّ له من استشارة مختصّة

ومساعدة للبقاء سليماً، مهما كثُرت عليه المصاعب وضاقت به الدنيا واسودّت الحياة في وجهه...

إنّ العلاج النفسيّ، بمختلف تشعباته من شأنه أن يحافظ على النفسية المرتاحة

والمعنويات العالية، بغية تحقيق تصالح مع ذات الإنسان، ليتقبّل وضعه ويثابر في المضيّ قُدماً.

بيد أنّ النظرة الاجتماعية إلى فكرة العلاج النفسيّ مختلفة تماماً عن جوهره،

ذلك أنها غالباً ما ترتبط بالشعور بالعيب لقصد «طبيب أمراض عقلية».

والتصنيف الفوري للشخص الذي يقصد المساعدة هو «مجنون» أو «مريض».

من هنا، قد يتردّد البعض في الإفصاح عن علاجهم أو يتنصّلون أصلاً من هذه

الفكرة، ويكون لذلك نتائج لا تُحمد عقباها!

يحتاج كلّ امرئٍ في مرحلة من حياته إلى الدفع إلى الأمام لمتابعة العيش

بفرح وراحة وثقة بالنفس واندماج مع المجتمع. لكنه في بعض الحالات قد يرجع

خطوة إلى الوراء، فتتأثر كل علاقاته الشخصية والاجتماعية وحتى العملية

ما لم يسع إلى العلاج المختصّ.

هناك معالجون نفسيون وعلماء نفس، بالإضافة إلى الأطباء المختصين

بالصحة العقلية والنفسية، لمدّ يد العون ولتخفيف الأعراض السلبية ومساعدة الإنسان

على تحقيق ذاته واكتشاف أهدافه وتعزيز ثقته بنفسه والتصالح مع ذاته...

قد تكون المشكلة بسيطة وتتطلب الاستماع المتخصّص والنصيحة الموزونة،

كما قد تكون المشكلة أكثر تفاقماً بحيث يضطرّ الإنسان إلى الخضوع

لجلسات علاجية مكثفة، مع إمكان تناول أدوية وعقاقير خاصة.

تشرح الدكتورة كارول سعادة، معالجة نفسية وأستاذة جامعية، الدوافع النفسية

التي تسبّب الحكم على الشخص الذي يطلب المساعدة النفسية، عارضةً لمختلف

النظرات الاجتماعية المترسّخة منذ القدم. كما تتحدّث الاختصاصية في

علم الاجتماع ساندرا جبّور عن مدى تقبّل المجتمع أو رفضه للشخص

الذي يُقدم على العلاج النفسي بمختلف تشعّباته.





بين علم النفس والطبّ النفسيّ




لا بدّ من التفرقة بدايةً بين علم النفس Psychology والطبّ النفسي Psychiatry.



تقول الدكتورة سعادة: «علم النفس قديم يعود إلى أيام الفراعنة واليونانيين القدماء.

لكنه اعتُبر دراسة وعلماً منذ القرن التاسع عشر. وهو يرتكز على الاستماع وتقديم النصح.

أمّا الطبّ النفسيّ فهو وصف أدوية وعقاقير وعلاج بطريقة مختلفة كلياً».

بيد أنّ الأفكار المغلوطة والأحكام المسبقة على الأمور نتيجة معتقدات متوارثة

ومرسومة في ذهن الإنسان، دفعت بالكثيرين إلى الاعتقاد أنّ كلّ من يقصد معالجاً

نفسياً أو طبيباً متخصصاً، كائناً من كان، هو مريض أو مجنون. وغالباً ما تترافق

مع هذه التخيّلات صورة الخوف واللغز، بحيث إن المعالج يملك قدرات تمكّنه من

قراءة الأذهان ومعرفة ما يفكّر به الإنسان. وهذه طبعاً كلها

أقاويل لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة!





لماذا علم النفس؟





تشدّد سعادة على «أهمية التوعية الاجتماعية والنفسية. فعلم النفس

هو دراسة مثبتة علمياً، وليس فقط لعلاج الاضطرابات النفسيّة الحادة.

فالنفس موجودة في الحياة وتؤثّر في الصحّة الجسدية والاجتماعية

والشخصية وحتى المهنيّة».

وتتابع: «يقصد الإنسان معالجاً نفسياً عندما يشعر بأنه غير مرتاح مع ذاته

وغير متصالح مع نفسه ومتردّد في اتخاذ قرارات جوهريّة، أو لأنه يعاني

حالة اضطرابية أو قلقيّة. والكلمة الأساسية هي المعاناة»... مؤكدةً:

«يلجأ الشخص إلى المساعدة لتحقيق ذاته عبر علاجات نفسيّة وجوديّة،

ليكتشف ماذا يريد، وما هي طموحاته وأهدافه، وماذا حقّق منها. وبهذه الطريقة،

يتصالح مع ذاته لتحسين نوعيّة حياته».




دواعي طبّ النفس




تجيب سعادة: «في حال وجود اضطرابات نفسيّة نُفاسيّة، فيها هلوسة وقلق

واضطراب ذو قطبين، أو حتى اكتئاب حادّ، لا بدّ من التوجّه إلى طبيب مختصّ

بالأمراض العقليّة والنفسيّة للتشخيص الدقيق واعتماد علاج دوائيّ مناسب

للحالة التي يمرّ بها». ولا بدّ من التشديد على أنّ دور الطبيب ليس العلاج

النفسي عبر جلسات الاستماع وتقديم النصائح، وإنما ينحصر بالعقاقير،

إلاّ إذا كان متخصّصاً في العلاج النفسي Psychotherapist. ومن هنا أهمية

التعاون بين العلاج النفسيّ والطبّ النفسيّ للحصول على النتيجة الفُضلى.




تعاون وثيق





وتشدّد سعادة على أنّ «التعاون ما بين المعالج النفسيّ والطبيب هو الذي سيمكّن

الإنسان من التغلّب على مشاكله. وعلى عالم النفس أن يكون متخصّصاً في

العلاج Psychotherapist للتمكّن من إفادة المريض»، ولذلك فالتشخيص السليم

هو الذي يضمن النتيجة المرجوّة.




تردّد قبل العلاج





تقول الدكتورة سعادة إنّ «نظرة المجتمع إلى العلاج النفسيّ برمّته ترتكز

على صورة خيالية للمقاربة العلاجية النفسية، إذ تختصر الموضوع بالعيب

أو حتى بإضاعة الوقت وهدر المال، لأنّ المعالج مجرّد شخص يستمع الى

شكوى المريض...إلاّ أنّ طريقة استماع الشخص المختصّ مختلفة تماماً عن

الاستماع العاديّ، لكونه يشخّص ويحلّل ويقدّم النصيحة ويعمل على العلاج النفسيّ».

وتشير الى «أنّ قرار اللجوء إلى العلاج النفسيّ صعبٌ في البداية، لأنه يستدعي

مواجهة الذات ومعرفة حقيقة الإنسان ومشاكله. كما يتطلّب الأمر العمل على

الصورة الذاتية والتصالح مع النفس. إلاّ أنّ النظرة الاجتماعية في تغيّر وتطوّر

مع الانفتاح العلميّ الهائل والتقدّم الطبّي. فمعظم الأطباء يشجعون مرضى

الجسد على زيارة معالج نفسيّ، لأن الراحة النفسية تنعكس إيجاباً على معظم

الأمراض الجسديّة» . فالتوعية في ازدياد، وإن كان البعض في البلدان العربية

وحتى الأوروبية والأميركية لا يعلنون جهاراً عن زياراتهم للمعالج النفسي...






نظرة اجتماعية





من جهتها، ترى ساندرا جبّور أن «كلّ إنسان يخطو خطوة فرديّة خارج سرب

النُظم والمعتقدات الاجتماعية السائدة، معرّض للانتقاد. فكيف إذا كان الأمر

متعلّقاً بالصحّة النفسية والعلاج؟ قد يُسارع البعض في إطلاق الأحكام المسبقة

على الآخر، من دون أن يدقّقوا في أساس المشكلة، بل تكون «إدانتهم»

مبنيّة على الأمور السطحية التي يرونها».

وتضيف: «إنّ مختلف المجتمعات العربية، وحتى الغربية منها، تميل إلى «تصنيف» الناس.

وكلمة «مريض» أو «مجنون» قد لا يُدرك وقعها إلاّ من يوصف بها.

فالبعض قد يُطلق تسميات عشوائية على شيء لا يفهمون أصوله. وقد درجت العادة

على اعتبار كلّ من يزور طبيباً أو معالجاً، نفسياً كان أو جسدياً، ب«العليل»

أو «السقيم»».... موضحةً: «قد يخاف البعض من الإقرار بأنهم يواجهون مشكلة في المجتمع

، خوفاً من إقصائهم أو تهميشهم أو تصنيفهم. لكنهم يلجأون إلى العلاج في كل الأحوال.

فيما يبقى القسم الأضعف والأكثر تأثراً بكلام الناس، أسير النظرة الاجتماعية

التي لا ترحم، فلا يزور أي مختص أو حتى يخضع للعلاج، مما ينعكس سلباً على حياته ككلّ».

وترى جبور أن «بصيص الأمل لا يزال موجوداً في مجتمعاتنا المعاصرة،

إذ بدأ الناس بتقبّل فكرة العلاج للأصحاء، والوقاية النفسية والجسديةّ، والمتابعة

الدوريّة للأمور الحياتية برفقة مختصّ، للتخلص من المشاكل وكي لا يرزح المرء تحت الأعباء».




نصائح مهمّة




تنصح الدكتورة سعادة المحيطين بالشخص المريض نفسياً بـ «عدم الإصرار

عليه او إجباره على زيارة المعالج النفسيّ. بل عليه هو ان يتّخذ القرار-

في حال عدم المعاناة من أمراض نفسيّة حادّة طبعاً- وأن يُقدم على الخطوة الأولى

التي هي بداية العلاج. وفي ما يتعلق بالقاصرين، من واجب الأهل والمحيطين

تدارك الأمر وأخذهم للعلاج قبل تفاقم المشكلة».

وتختتم سعادة حديثها مؤكدةً: «أمّا الأشخاص الذين يشعرون بعدم الراحة

والانزعاج من وضعهم الحالي، فما عليهم سوى عدم الخوف والإنصات إلى المحيطين.

إذ إنّ العلاج النفسيّ فيه سرّيّة مهنية ولن يبوح المعالج بشيء للمقرّبين من

دون أخذ موافقة الشخص المريض. كما أنّ هذا الاختصاصيّ يعمل بتجرّد

وموضوعية بعيداً عن إطلاق الأحكام وتوجيه الإدانات. واجبه هو مساعدة

كلّ إنسان على تخطّي المشاكل».