امراض عضوية سببها نفسى


ان النفس والجسد وحدة واحدة ويكفي أن نراقب احمرار وجه شخص أثناء الغضب
أو الخجل لندرك أهمية هذا الترابط. ومن الأخطاء الشائعة الاستهانة بشكوى شخص ما،
لمجرد أن تلك الشكوى تتفاقم أثناء الغضب أو التوتر فهذا لا ينفي وجود مرض عضوي ما،
ولا يجوز أن نقلل من شأن الانفعالات العاطفية كعامل محدث للمرض،
أو كعامل يزيد المرض شدة أو مدة.




وعلى مدى سنين طويلة أدرك العلماء والأطباء أن هناك أنماطاً من الأمراض أكثر تأثراً
من غيرها بالحالة النفسية بحيث تسوء في فترات التوتر، وتهجع وتتحسن في فترات
الاسترخاء وقد سميت هذه الأمراض بالأمراض النفسجسمانية، ويقابل ذلك باللاتينية
أمراض السيكوسوماتيك حيث تعني كلمة سيكو (النفس)، وتعني كلمة سوماتيك (الجسم).

ولا يقتصر هذا النمط من الأمراض على جهاز واحد من أجهزة الجسم إذ قد تكون
تلك الأمراض تنفسية أو جلدية أو قلبية أو هضمية.

ومن الأمراض التنفسية التي تندرج تحت اسم السيكوسوماتيك مرض الربو القصبي
الذي يتصف بهجمات من تضيق القصبات قد تتلو مثيراً واضحاً أو غير واضح داخلي
أو خارجي المنشأ، ومن الحوادث التي تؤكد أهمية العامل النفسي حادثة الطبيب الفرنسي
الذي كان مصاباً بالربو القصبي لكن القمح لم يكن قادراً على إثارة الهجمة لديه إلى
أن دخل مرة إلى اصطبله فوجد سائس خيله يسرق من الإسطبل فأصيب بهجمة ربوية شديدة.

وقصة طبيب آخر أصيب بهجمة ربوية في الليل وكان يقيم بأحد الفنادق، ولما
لم يهتد إلى مفتاح النور، كسر زجاج النافذة بحذائه، وتنفس بعمق وارتياح، وغط في نوم
عميق، الى أن كان الصباح وفتح عينيه ليفاجأ أنه كان قد كسر المرآة وليس النافذة.
وتبين هاتان القصتان كيف أن العامل النفسي أحدث الهجمة.

ولا يقتصر الأمر على حوادث فردية، فمن القصص المعروفة أن مجموعة من مرضى
الربو كانت تتجول بسعادة في أحد المتاحف الفنية إلى أن توقف الجمع أمام لوحة
لأحد الحقول فأصيب الجميع بهجمة من تضيق القصبات وكأنهم يقفون أمام حقل حقيقي.

كما لا يقتصر الأمر على فئة عمرية معينة فأحد الأطفال أصيب بهجمات من الربو الشديد
لأن حوض السمك الذي كان يمتلكه وقع وانكسر، فتأثر كثيراً، وأصبح يصاب الهجمة
إذا رأى سمكة مماثلة لسمكته، بل أصبح يصاب بالهجمة حتى عندما يرى حوض سمك فارغ.

ويقدم أطباء الأمراض الجلدية الدليل تلو الدليل على العلاقة بين النفس والجسم،
فكم من شخص أصيب بسقوط الشعر أو فقد اصطباغ منطقة ما من جسمه، أو ظهور لشرى
على جسمه إثر هزة عاطفية شديدة. وظاهرة العد الشائع المعروف باسم (حب الشباب)
ظاهرة مرتبطة بالانفعال النفسي تتفاقم بالقلق والتوتر.

أما علماء أمراض القلب والأوعية فيكثفون جهودهم لفهم تلك الأمراض بعد أن تبوأت
مكان الصدارة بين الأمراض المهددة لإنسان القرن العشرين وقد بينت أبحاثهم أن الانفعال
لا يزيد فقط سرعة النبض ومعدل الضغط، بل يزيد أيضا قابلية التخثر للدم مما يؤهب
لحدوث التجلطات كما أن الشدة النفسية تزيد مستوى كولسترول الدم الذي يساهم
مع التدخين كأكثر العوامل المحدثة للتصلب الشرياني.

ولعل من الأمور التي تساعد على تشخيص القرحة الهضمية ازدياد الألم بالغضب
أو القلق أو التوتر إذ يعتبر ذلك من مميزات الألم القرحي، وقد ركز أحد العلماء دراسته
على تأثير الانفعال على مخاطية المعدة واستخدم لذلك شخصا أصيب في الماضي
برصاصة في بطنه تركت فتحة دائمة (ناسور) يمكن أن ترى من خلاله مخاطية المعدة
وكان يجري تجاربه لمعرفة مثيرات الإفراز المعدي من أطعمة أو أدوية، وحدث أن إتهم العالم
صاحب الناسور أنه يتقاضى أجراً عالياً فغضب الأخير من جراء ذلك الاتهام، وتظاهر ذلك
الغضب بإحتقان شديد في مخاطية المعدة، وزيادة كبيرة في افرازاتها الحمضية
وربما هذا هو سبب تفاقم ألم المعدة بالشدة النفسية أو ربما كان هذا سبب
القرحات التي تتلو رضوض الرأس أو حروق الجسم.

وهناك أمراض لا زال الغموض يكتنف مسبباتها، وان كان قد تكشف لنا أنها قد ترتبط
بأنماط الشخصية أو بالانفعالات الوقتية، ومن ذلك الصداع النصفي (الشقيقة) الذي
يصيب المجتهدين الطموحين ذوي الضمير اليقظ و كثيراً ما تتلو النوبة فترة توتر أو قلق.

إن النفس والجسد وحدة واحدة واضطراب أحدهما، ينعكس على الآخر فالمتألم لا يمكن
أن يكون سعيداً وكم يفيد الموقف الإنساني المتعاطف في تخفيف الألم. لا بد من
الاستمرار في البحث إذ ربما تنكشف في المستقبل أمراض عضوية أخرى لها أساس
نفسي وربما تتغير نظرتنا إلى آلية حدوث تلك الأمراض وطرق معالجتها وتدبيرها.