المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معاني المفردات:



خضر
15-10-2004, 04:35 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
خضر في هذا الشهر الفضيل يحب ان يكسب حسنات ان شاء الله
وانتظر منكم التفاعل :P
الآيــات

] وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّه وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ للنّاس حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ علَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـرَى تُفَـدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَـامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الّعَذَابِ وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ[ (83ـ86).

* * *

معاني المفردات:

] مِيثَاقَ[ : الميثاق: أخذ العهد ولا يكون إلاّ بالقول.

] وَالْمَسَاكِينِ[ : الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم.

] تَوَلَّيْتُمْ[ : أدبرتم وأعرضتم.

] مُّعْرِضُونَ[ : مدبرون.

] تُفَـدُوهُمْ[ : فاداه مفاداة وفداءً: أطلقه وأخذ فديته. وقيل: المفاداة أن تدفع رجلاً وتأخذ رجلاً، والفِدى أن تشتريه؛ وقيل: هما واحد.

] خِزْيٌ[ : ذلّ وهوان.

* * *

بنو إسرائيل والميثاق الإلهي:

في هذا الفصل من حديث بني إسرائيل، عودة معهم إلى الأصول التي ارتكز عليها التشريع الإلهي في التوراة، مما كان يدخل في حساب تنظيم الحياة الاجتماعية المرتكز على أساس التوحيد الذي تلتقي عليه كلّ التشريعات.. ثُمَّ يبدأ بالمقارنة بين الصورة كما أرادها اللّه، وبين الواقع المتمثّل في ممارساتهم العملية وفي علاقاتهم الاجتماعية، فنكتشف من خلال ذلك الفرق الشاسع بين مستلزمات الإيمان وبين واقع الممارسة.

فقد أراد اللّه من بني إسرائيل أن يوحّدوه فلا يعبدوا غيره، وأن تكون علاقاتهم بوالديهم وبأقربائهم وبأيتامهم ومساكينهم مبنيّة على الإحسان الطيب، باعتبارهم من الفئات التي تحتاج إلى ذلك، إمّا من موقع الحاجة الذاتية، وإمّا من موقع ارتباطها بالجانب الإنساني للعلاقات... ثُمَّ طلب منهم أن يقولوا للنّاس حسناً في مجال المعاشرة والمحاورة، لأنَّ للكلمة الطيبة أثرها الكبير في انفتاح القلوب على الخير والمحبة والإخلاص، وفي انطلاق العقول مع الفكرة بعيداً عن التعصب والتعقيد والعناد والمكابرة، ما يجعل من الكلمة رسولاً حبيباً إلى القلب والعقل، فترتكز الحياة الاجتماعية ـ من أجل ذلك ـ على قاعدةٍ متينة من التفاهم والتحابب والتعاون.

وجاء بعد ذلك دور إقامة الصلاة، باعتبارها معراجاً لروح المؤمن إلى اللّه، حيث ينفتح الإنسان من خلالها يومياً على المعاني الروحية الواسعة الممتدة، التي لا تضيق بالأعباء الكبيرة التي تفرضها الطاعة أو يوحي بها الجهاد، ولا ترتبط بالحياة إلاَّ باعتبارها مجالاً من مجالات العمل والمسؤولية، لأنَّ هذا اللقاء باللّه يملأ النفس شعوراً عميقاً بجديّة الحياة وبارتباطها بالحكمة في كلّ ظواهرها وبواطنها من خلال حكمة الخالق، ما يجعل من السير في طريق الحقّ هدفاً كبيراً لحياة الإنسان.

أمّا إيتاء الزكاة، فإنه يحقّق للنفس إنسانية العطاء عندما لا تختنق في دائرة حاجاتها الذاتية ومطامعها الشخصية في ما أنعم اللّه عليها من نعم المال، بل تعيش الشعور بآلام الآخرين وحاجاتهم ومطامحهم، فتعمل على تلبية حاجات الآخرين، باعتبار أنَّ المال الذي يملكه الإنسان ليس شرفاً وامتيازاً له، بل هو وظيفة ومسؤولية في ما يحتاجه أو يحتاجه الآخرون، وبذلك كانت الزكاة عبادة اجتماعية يشترط في صحتها ما يشترط في كلّ عبادة من نيّة التقرّب بها إلى اللّه، كما كانت الصلاة عبادةً يتقرّب بها الإنسان إلى اللّه في خضوعه لذاته المقدسة.

وتنتهي هذه المجموعة من التشريعات في هذه الآية لتبدأ عملية المحاكمة والمحاسبة والمقارنة، وذلك في لفتةٍ سريعة للواقع الذين يعيشونه، فنلتقي بهم وهم مُعرِضون عن ذلك إلاَّ القليلين منهم ممن آمنوا إيمان الوعي والإخلاص، فثبتوا على خطّ الإيمان واستقاموا فكراً وعملاً في جانب المعاملة، أو في نطاق العلاقة العامة والخاصة.

فإذا انتهى هذا الجانب من الميثاق، بدأ جانب آخر يتصل بعلاقاتهم الداخلية.

* * *

حقّ الإنسان بالحياة والحرية:

وأخذ اللّه عليهم الميثاق باحترام النفس، فلا يعتدى عليها بالقتل، واحترام حرية الإنسان في بقائه في داره، فلا يخرج منها قهراً بدون حقّ... أمّا السرّ في التركيز على هذين الجانبين، فلأنهما يمثّلان ـ في الظنّ الغالب ـ العنصرين الأساسيين من عناصر الحريات الإنسانية، وهما عنصر حرية الحياة في امتدادها إلى ما يشاء اللّه من دون اعتداء، وحرية بقاء الإنسان في أرضه وداره، لأنَّ الحريات الأخرى متفرعة عنهما كما يظهر بالتأمّل. لقد أخذ اللّه عليهم الميثاق بالالتزام بهاتين الحرّيتين فيما بينهم، فماذا كانت النتيجة؟

إنها تماماً كالنتيجة في الميثاق الأول، فلقد انطبعت حياتهم بالعدوان على النفس، وبدأت سياسة الغلبة والقوّة تتحكم بهم، فضيَّقوا على حرية الضعفاء الذين لا يخضعون لطغيانهم وبغيهم، فأخرجوهم من ديارهم بالإثم والعدوان. وهنا تأتي المفارقة التي تمثّل ازدواجية المواقف إزاء علاقاتهم العامة، فهم في الوقت الذي يستبيحون قتلهم وإخراجهم من ديارهم، نراهم في موقف آخر يمارسون سلوكاً يوحي باحترام الإنسان، وذلك عندما يقع هؤلاء الضعفاء أسرى في يد أعدائهم، فإنهم يعملون على دفع الفداء عنهم لينقذوهم من الأسر. إنها مفارقة تلفت النظر؛ فإذا كانوا يؤمنون باحترام الإنسان في نفسه وأرضه، فما معنى السلوك الأول؟ وإذا كانوا لا يؤمنون بذلك، فما معنى السلوك الثاني؟ إنه السلوك الذي لا يرتكز على قاعدةٍ فكرية ثابتة، بل يخضع للعوامل الطارئة من العصبية والحميَّة وغيرهما من حالات الانفعال الإنساني في العلاقات العامة، ولهذا ينطلق القرآن ليشجب هذا الواقع، كما في قوله تعالى: ] أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ[ ، فإنَّ الالتزام بالكتاب يفرض الالتزام بمفاهيمه ومواقفه وتشريعاته، باعتباره القاعدة الأساسية للتفكير والموقف والعمل.

هذا بالإضافة إلى أنَّ الأخذ ببعض الكتاب والكفر ببعض آخر، يشوّه الصورة الحقيقية للفكرة، وذلك كما يفعله بعض الحكام الذين يأخذون بقوانين العقوبات في الإسلام كالحدود، فيجلدون شارب الخمر، ويقطعون يد السارق، ولكنَّهم لا يأخذون بالتشريعات الإسلامية في العدالة الاجتماعية، والنظام الأخلاقي، والتخطيط الاقتصادي، بحيث لا ينطلق السارق من حاجةٍ اقتصاديةٍ ضاغطة بل من عقدةٍ ذاتية مستعصية، الأمر الذي يعطي الصورة المشوّهة القاسية عن الإسلام من خلال الواقع الضاغط أمام التشريع الصعب.

وربما كانت المسألة تمثّل الازدواجية بين العقدة الذاتية المتحكمة في علاقات بعضهم ببعض، في خلافاتهم العميقة الشديدة التي يمثّلها قوله تعالى: ] تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى[ [الحشر:14] وبين الهيكلية الاجتماعية في موقفهم الموحد أمام الآخر الذي يهدّد وجودهم فينتصرون لبعضهم البعض في مواجهته.

* * *

ما معنى الخزي الدنيوي؟

ثُمَّ يعقِّب اللّه على ذلك ] فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[ ، لأنَّ هذا الواقع سيؤدي ـ حتماً ـ إلى اختلال الأسس العامة التي يرتكز عليها بناء المجتمع، فإذا أصيب بالتحلل والانهيار، وضعف عن الامتداد والتماسك، وقع تحت سيطرة المجتمعات الأخرى، حيث يعاني في ذلك الخزي والهوان، فيسقطون تحت تأثير مفاهيمها الكافرة أو الضالة، ويندمجون في الاستغراق في خطوطها الفكرية والعملية، فلا يؤمنون بالجهاد لأنه يؤدي إلى تعقيد علاقاتهم بها، ولا يدعون إلى تحكيم اللّه في برامجه وشريعته في الحياة، ولا يعملون على صنع القوّة، فيفقدون الإحساس بوجودهم الحي المتحرّك الفاعل الذي يتحوّل ـ تدريجياً ـ إلى هامشٍ من هوامش وجود الآخرين.

أمّا في الآخرة، فإنهم سيردون إلى أشدّ العذاب، لأنَّ سلوكهم يمثّل التمرّد والطغيان على إرادة اللّه، وهو ما يعني الاستهانة به ـ تعالى ـ والانحراف عن خطّ العبودية له.

ويختم الفصل بإعطاء القاعدة العامة التي تحكم مثل هذه النماذج، فهم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلم يعتبروا الآخرة شيئاً كبيراً في حياتهم ليواجهوا مسؤوليتهم من خلالها، وأخلدوا إلى الأرض وارتبطوا بمقاييسها ومفاهيمها من اللذة والطمع والبغي والعدوان... وهكذا، فإنهم لا يواجهون إلاَّ العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم ولا يجدون لهم من دون اللّه ولياً ولا نصيراً.

* * *

تفاصيل الميثاق بين اللّه وبين بني إسرائيل:

] وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ[ الذي أردناه الأساس لعلاقتهم باللّه في سلوكهم العملي في الحياة، ليعرفوا أنَّ وجودهم فيها يساوي التزامهم بالتعاليم الإلهية كعهد وثيق بينهم وبين اللّه، ] لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّه[ ، وهذا هو التوحيد الذي يمثّل قاعدة الفكر في العقل وحركة الإحساس في القلب، لتكون حياتهم خطّ استقامة في خطّ التوحيد، بحيث يصدرون في كلّ مجالاتها عن النظرة التي تجعل كلّ تطلّعاتهم وخطواتهم ومشاريعهم وأهدافهم من خلال الطاعة المطلقة للإله الواحد، فلا شرك في العقيدة ولا تعددية في العبادة والطاعة. ] وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا[ فهما السبب المباشر لوجود الإنسان، وعليه مبادلتهما إحساناً بإحسان، ] وَذِى الْقُرْبَى[ الذين يمثّلون الرحم القريب الذي هو المجتمع الأقرب للمجتمع الإنساني الأول الذي يتحمّل الإنسان مسؤولية رعاية أفراده بالإحسان، ] وَالْيَتَامَى[ الذين فقدوا الآباء الذين يقومون برعاية شؤونهم وحمايتهم من كلّ خطر أو سوءٍ وتوجيههم للحياة الطيبة الكريمة، ما يفرض على المجتمع أن يقوم بسدّ هذا الفراغ وتعويض هذا النقص النفسي والواقعي، ] وَالْمَسَاكِينِ[ الذين يعانون من الحاجة المادية ويسقطون تحت تأثيرها في دائرة المستكبرين، ليفقدوا إنسانيتهم أمام ذلك، الأمر الذي يريد اللّه فيه للنّاس تدبير أمرهم، والإقامة بإعالتهم، وسدّ حاجتهم، بالطريقة التي تحفظ لهم كرامتهم.

] وَقُولُواْ للنّاس حُسْنًا[ وهذا هو خطّ التعامل مع الآخرين على مستوى حركة العلاقات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بحيث تكون الكلمة الطيبة والقول الحسن والأسلوب الجميل، عناوين إنسانيةً في انفتاح الإنسان على الإنسان الآخر، لأنَّ القول الحسن في اللفظ والمعنى يفتح القلب، وينعش الروح، ويقرب الإحساس، ويقوي الروابط بين النّاس... وقد جاء عن الإمام الباقر (ع) في تفسير هذه الفقرة قال: قولوا للنّاس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، فإنَّ اللّه عزَّ وجلّ يبغض السبّاب الطعّان على المؤمنين، الفاحش المفحش، السائل؛ ويحبّ الحليم العفيف المتعفف[1]. ] وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ[ التي هي وسيلة القرب إلى اللّه.

] وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ[ والزكاة هي المضمون الإنساني للتكافل الاجتماعي في حركة العطاء في الشخصية المتفاعلة مع الواقع الاجتماعي في الحاجات الإنسانية العامة.

وهذه هي المفردات التي تتضمن الأوامر الإلهية في حركة الإيجاب في السلوك الإنساني التي أراد اللّه لكم إطاعتها والالتزام بمضمونها. ] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ[ عن الوفاء بالعهد والاستجابة للأمر الإلهي في ذلك كلّه.

وهناك مفردات تتصل بالجانب السلبي في الحياة، بحيث لا يريد اللّه صدورها من الإنسان، لأنها تفسد عليه حياته العامة والخاصة، وتحطم له نظامه الاجتماعي الذي به يسعد ويتقدّم. ] وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ[ في الجانب السلبي من السلوك ] لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءكُمْ[ ، لأنَّ اللّه جعل للدماء حرمتها وللنفوس قداستها في الواقع الإنساني، فلا حقّ لإنسان في إزهاق روح إنسان آخر وسفك دمه، إلاَّ بالحقّ الذي يمثّل التشريع الإلهي في موارد الرخصة في ذلك. ] وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ[ لأنَّ اللّه أراد للإنسان أن يكون آمناً في بيته، حرّاً في اختيار البقاء فيه، فلا سلطة لأحد في إخراجه منه إلاَّ بالحقّ في دائرة التشريع الإلهي. ] ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ[ على أنفسكم بذلك ] وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ[ على ما أخذه اللّه من الميثاق على آبائكم وعليكم من خلالهم، ما يفرض عليكم الالتزام به كما هو الأمر بالنسبة إليهم.

] ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ[ فيقتل بعضكم بعضاً، وهو نقض للعهد المأخوذ عليكم. وفي التعبير بـ «أنفسكم» إيحاء بأنَّ المجتمع يمثّل وحدة قائمة بذاتها، ما يجعل الاعتداء على أيّ فرد منه اعتداءً على النفس كما في قوله تعالى: ] فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ[ [النور:61] أي ليسلم بعضكم على بعض. ] وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ علَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوانِ[ أي تتعاونون فيما بينكم في تجمع عدواني لإخراج بعض النّاس في مجتمعكم من ديارهم لتشردوهم، وهذا ما يوحي بأنكم لا تلتزمون الوحدة المجتمعية القائمة على أساس التضامن والتعاون والاحترام المتبادل. ] وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَـدُوهُمْ[ ، فإذا رأيتموهم أسارى لدى جماعةٍ أخرى من غير اليهود من أعدائكم، فإنكم تفادونهم وتتحمّلون مسؤولية تحريرهم منهم، وهذا ما يوحي بالتزامكم بهم كجماعةٍ منكم تحملون مسؤوليتها الأمنية. ] وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ[ فقد جاء التحريم من اللّه في مسألة إخراجهم، فكيف تجمعون بين العدوان الذاتي عليهم في داخل مجتمعكم، ومفاداتهم وتحريرهم من غيركم؟! ] أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ[ مما لا ينسجم مع الالتزام الإيماني بالكتاب كلّه، الذي يفرض الإيمان به في جميع أحكامه، باعتبار أنه الوحي الصادر من اللّه سبحانه. ] فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا[ مما يفرضه هذا الواقع من هزيمتكم وانقسامكم وتعرضكم للإذلال من قبل الآخرين من المسلمين وغيرهم، عندما تتعرضون للإخراج من دياركم أو لفرض الجزية عليكم. ] وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الّعَذَابِ[ جزاءً لانحرافكم عن الحقّ، وعدوانكم على أهله بعد إقامة الحجة عليكم من خلال رسوله ورسالته. ] وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[ فهو المطّلع عليكم في كلّ سرّكم وعلانيتكم، والحافظ لكلّ نشاطاتكم ليحاسبكم عليها ويجازيكم بها. ] أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ[ فاستبدلوا الباقي بالفاني، ورضوا بالعَرَض المحدود الزائل من المال والجاه واللذات الصغيرة، بدلاً من النعم الكبيرة الواسعة الخالدة والرضوان الإلهي العظيم... ] فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ[ لأنهم أصروا على العناد والاستكبار على الحقّ، ] وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ[ لأنَّ الآخرة ليست فرصة الذين ينتصرون لأنفسهم من عذاب اللّه بعلاقاتهم البشرية الدنيوية، لأنه اليوم الذي لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذٍ للّه.

* * *

من وحي الآيات:

وكخلاصة، فإننا نستوحي مما تقدّم، ما فيه فائدة لواقعنا العملي حاضراً ومستقبلاً، جملة أمور أبرزها التالي:

1 ـ إنَّ لكلّ شريعة من الشرائع خطّة متماسكة، تحكم ربط أحكامها وتوزيع مواقعها، فلا تجزئة ولا انفصال، بل هي حلقات متصلة في سلسلة واحدة يكمّل بعضها بعضاً، ما يجعل الالتزام الكلي بها أساساً لتحقيق الغاية التي أرادها اللّه منها، ولعلّنا نستوحي ذلك من الحديث المأثور عن النبيّ (ص): «مَنْ لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إلاَّ بُعداً»[2]، والحديث الآخر المرويّ في نهج البلاغة: «كم من صائم ليس له من صيامه إلاَّ الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلاَّ السهر والعناء، حبّذا نوم الأكياس وإفطارهم...»[3]. فإننا نستفيد منهما أنَّ قيمة الطاعة تتحدّد بمقدار ما تحقّق من هدف الأمر والنهي، سواء كانت الغاية مربوطة بكيفية أداء الطاعة كما في الصلاة والصوم، أو كانت متصلة بالواجبات أو المحرّمات المرتبطة بهدفٍ واحد، من حيث علاقتها بتكوين الشخصية الإنسانية على قاعدةٍ واحدة. ولعلّ الآية التي تحدّثنا عنها أبلغ شاهد على الفكرة، لأنَّ احترام حرية الإنسان في نفسه وفي أرضه ينطلق من فكرة الإيمان بحرية الإنسان المنطلقة من الإيمان باللّه في رسالته وشريعته، فلا معنى لأن يؤمن الإنسان بهذه الحرية في جانب ويكفر بها في جانب آخر، لارتباط المواقف بعضها ببعض في تحقيق هذا المعنى الكبير في الحياة.

2 ـ إنَّ من الممكن استيحاء الفكرة التي ترفض ما تعارف عليه بعض المسلمين من المتأثرين بالمبادىء والأفكار الأوروبية، سواءٌ منها الأفكار الرأسمالية أو الماركسية أو غيرها من الأفكار غير الإسلامية المتعلّقة ببعض الجوانب العملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وخلاصة ما يثيره هؤلاء، أنَّ بإمكاننا أن نأخذ من الإسلام الجانب الروحي والأخلاقي في المفاهيم والتشريعات المتعلّقة بالحياة، ولا سيما ما يتعلّق منها بالجانب العبادي أو الأحوال الشخصية، أمّا التنظيم الاقتصادي والسياسي والتخطيط الاجتماعي، فلا بُدَّ لنا فيه من الرجوع إلى الفكر الأوروبي، لأنَّ هذا الفكر يرتكز على قواعد علمية مبنية على دراسة الواقع من خلال المعطيات العامة التي أفرزها التطور، ويقررون ـ في هذا المجال ـ أنَّ التشريعات الإسلامية التي تتصل بهذه الجوانب لا تفي بحاجة الحياة إلى التنظيم والتخطيط، ولكنَّنا نلاحظ أنَّ هذا اللون من التفكير محكوم بعقلية الانبهار بالفكر الأوروبي الذي قد يعتبره فوق مستوى النقد، بل هو باعث الحياة المتطورة على صورته... وربما كان من الأجدر بهم ـ من وجهة الإخلاص للتفكير العلمي ـ أن يدققوا في القواعد العامة الإسلامية التي تضمنتها نصوص الكتاب والسنّة، وفصّلتها أبحاث الفقهاء المسلمين المستمدة من المصادر الأصيلة للتشريع، ليطّلعوا على الإمكانات الفكرية والقانونية التي تستطيع أن تدفع بحياة المجتمع إلى الأمام. وقد لا يكفينا ـ في إهمال هذه الجوانب من التشريع الإسلامي ـ أن نلاحظ عدم انسجام الشكل العملي للأوضاع الإدارية والسياسية والاقتصادية التي كانت في الماضي ـ عندما كان الإسلام يحكم الحياة ـ مع الشكل الموجود الآن، لأنَّ من الممكن للاجتهاد الإسلامي أن يلاحظ وجود بدائل من قلب التشريع مما يملأ هذا الفراغ.

إنَّ المسلم يحمل في وعيه الإسلامي فكرة إجمالية عن الحقيقة الإسلامية التالية: وهي أنَّ للّه في كلّ واقعةٍ من وقائع الحياة حكماً شرعياً محدّداً يصيبه من يصيبه ويخطئه من يخطئه، وهذه الفكرة وإن كانت صحيحة إجمالاً، فهي لا تتعارض وإمكان وجود فراغ يمارس فيه ولي الأمر حرية التحرّك في بعض المجالات العملية العامة؛ كما يفرض على المفكرين المسلمين متابعة البحث عن الأحكام الشرعية، في كلّ ما استحدثه الإنسان من أوضاع الحياة وشؤونها وأساليبها، في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لئلا يبقى الإنسان المسلم في حيرة أمام حركة التطور العام في الحياة، إذ يبقى هذا البحث خاضعاً للمبادىء العامة والتصوّرات الكلية للشريعة، لا مجرّد اجتهاد آخر خالٍ من أي ضوابط مقررة. من هنا، فإننا لا نبرر اختيار أساليب الفكر المضادّ في بعض الجوانب، والأخذ بالإسلام في البعض الآخر، لأننا نكون مصداقاً لقول اللّه في حديثه عن اليهود: ] أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ[ .

3 ـ إنَّ اللّه يعتبر الشريعة ميثاقاً بين اللّه وبين عباده، لأنَّ الالتزام بها يمثّل الإقرار بمضمونها، تماماً كما هو الالتزام ضمن أيّ عهد من العهود، وبذلك يتحوّل العصيان والتمرّد والانحراف إلى عملية خيانةٍ للعهد ونقض له، ما يجعل الصورة قاتمةً في داخل الذات، فتوحي للإنسان باحتقار نفسه، كما في أية حالة من حالات الخيانة، وقد يكون من الخير لنا العمل على إثارة هذا الجانب في أساليب التربية الدينية، لأنَّ الإنسان قد يقبل لنفسه صفة العاصي، ولكنَّه لن يقبل لها صفة الخائن، لما تحمله هذه الكلمة من إيحاءات مسيئة تثقل وجود الإنسان وضميره.

ـــــــــــــ

(