المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نهاية السعادة



فؤاد عبدالله الحمد
03-10-2001, 10:25 AM
هاهو يوم جديد يشرق بمصافحة أشعة الشمس الدافئة لأرض الكون الباردة.. ونبضت الحياة بتغريد العصافير.. وارتعشت بحفيف الأشجار.. وتعطرت بأريج الياسمين والريحان.. وتعانقت نسمات الفلق بروح الحياة من بعد فراق أهلَّه حلول الظلام الدامس.. وارتسمت على وجه السماء ابتسامة السحاب من بين قمم الجبال سلاماً منها لكل متطلع إلى جمال الدنيا لتشعره بالأنس والفرح.. يا لروعة الحياة عندما تمتزج بصورتها الجمالية ألوان الأمن والأمان والراحة والاطمئنان، ويا لجمالها عندما تنتفي من قوانينها نظم الكدر والضنك والهم والقلق؛ فرحه تليها فرحة من بين أعماق الأحداث السعيدة، وضحكة تليها ضحكة في غمرة اللقاءات الجميلة؛ أتطلع من نافذة الفكر لأتخلل ذلك الجمال البديع لرؤية ماوراءه وما بين طياته، وقد امسكت بيدي القلم لأدون مشاعر خالجت نفسي فراودني سؤال في تلك اللحظة.. هل تستحق الدنيا أن نلهث وراءها أو نسعى من أجلها؟!!.. توقفت قليلاً عن الكتابة ونظرت إلى القلم الذي تجمد عندما وصله صدى السؤال.. عرضت عليه السؤال، وتركت له مهلة لعله يجد جواباً للضمير المتسائل يبرر به أفعال اللاهثين وراء السراب، العابثين بالفطرة، الضاربين بنظام الكون عرض الحائط، أرادوا السعادة بكل وجوهها فلم ينالوها بأي وجه. ظل القلم صامتاً يبحث عن صور السعادة عند هؤلاء فأخذ ينتقل يمنة ويسرة، يغطي حبر وجهه ساعة ويكشفه ساعة، يدق على كل ما بجواره وكأنه يستعجل نفسه لقرب موعد انتهاء المهلة، وفي الأخير لاجدوى، لا جواب؛ فأشفقت عليه، ووعدته بالتوضيح فقلت له: ماشعورنا عندما تصافح سحابة يومنا قوس السعادة؟ بعد لحظات أمطرت فيه سماء دقائقنا برذاذ لقاء صديق، أو كلمات محب، أو إنجاز عمل، أو زيادة رصيد، أو نيل شهوة، أو تحقيق أمنية، أو تحصيل مبتغى؟!!.. بالطبع ستنبت أرض أيامنا بزهور البسمة، وأشجار الفرحة وتجري فيها سيول البهجة، هذا لاشك فيه فهذه صور من صور السعادة، ولكن السؤال الحازم هنا والذي يبين حقيقة تلك الصور هل لهذه الصور نهاية؟!.. هل ستدوم إلى الأبد؟!!..
هنا ينكشف الغطاء عن حقيقة لا أقول: إنها تخفى علينا ولكننا لا نشعر بها إلا في لحظة حدوثها. فذلك الحبيب يلوح بيديه لوداع حبيبه، وذلك الصديق يخون صديقه من أجل عرض من الدنيا، وذلك الصاحب يعانق أخاه وهو يلفظ آخر أنفاسه، وتلك الشهوة استحالت حسرة، وتلك الكلمات العذبة خالطت مياه الكلمات الكدرة.. وتلك الأمنية تلتها أمانٍ أثقلت كاهل حاملها، وتلك الزيادة أذاقت المنهك في تحصيلها مرارة.. وذلك المبتغى ذهب وانتهى.. فماذا بعد هذا كله؟ أنتعلق بهذه الدنيا الفانية؟ كفانا إن لم يكن هذا، كفانا مايخالط بشاشة ذلك الموقف، وتلك اللحظة السعيدة من خوف على فوات النعمة؛ فتكون أول السعادة: الخوف على فواتها، وأوسطها الطمع في نيل المزيد منها، وآخرها الحزن على نهايتها..
يقف قلمي قليلاً ثم يعاود الكتابة؛ ولكن هذه المرة بدراية وتفاؤل بعدما رآني أنظر إلى الحياة بوجه واحد فكتب: السعادة الحقيقية تجدينها في قلوب العارفين المحبين لله تعالى فلا نهاية لها فهناك موطنها فيموتون ولا تموت؛ ليتجدد اللقاء في أرض البرزخ فما أخطأت السعادة طريق تقي.


مختارات من مجلة الجندي المسلم ـ العدد 104

مرآة نفسي
19-06-2003, 10:12 PM
بارك الله فيما كتبت....أخي المناجي...
ــــــــــــــــــــــــــــــ


لجنة التنقيب عن الذهب....