
بسم الله الرحمن الرحيم
*التقنية النفسية*
المقدمة
الحمد لله رب العالمين الذي حض على البحث و العلم و التعلم , و الصلاة و السلام على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم اشرف المرسلين النبي آلامي الذي علم البشرية, و كان ختاماً للنبيين , و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا آن هدانا الله .
ان الحياة هي العطاء , و من كان معطاء فهو حي ... حتى و ان كان جماد مثل الأرض و قال تعالى * والله انزل من السماء ماء فاحيا به الارض بعد موتها
فبقطرات الماء تحيا الأرض .. و بقطرات المداد يحيا الإنسان , لذلك يظل التسأول أمام كل إنسان , كم قدمت من قطرات دمك او قطرات مدادك ...؟ لكي تحيا ابد الدهر .
9; 9; و إننا و نحن في خضم ممارستنا لمهنة درء الالام عن الناس كانت تواجهنا حالات مرضية , هي في غرابتها عصية على التفسير من قبل الطب الذي تعلمناه او من العلوم التي استفدنا معرفتها من خلال الاطلاع المستمر , و تحديث معلوماتنا باستمرار حول مهنة الطب و المعالجة و الجديد فيها , و نتيجة للعلاقة الوطيدة بين الصحة النفسية و الجسدية , كان أوسع مجالات الاطلاع هو علوم النفس التي لاحظنا الكم الهائل من الكتب في مواضيعها و مشاكلها , و بعد عمر مديد من البحث و التنقيب اعترضتنا فيه ظواهر و حالات عجزت معارفنا التقليدية عن سبر أغوارها , وجدت نفسي صفر اليدين ليس أمامي لتفسير هذه الظواهر آي من النظريات المقبولة , أو المبررات المعقولة .
و من هنا جاءت الحاجة إلى إعادة القراءة بنظرة فاحصة متأنية , و وجهات نظر , سرعان ما تكثف مقدار اقترابها من الحقيقة لتكون أمامي طريقاً , اتخذته منهجاً للتفسير و التعليل , الآمر الذي دعاني ألي وضع ملاحظاتي و استنتاجاتي في منظومة واحدة مستشهداً في كل خطوة بالبين و الواضح من الوقائع , مستنداً ألي الراسخ و الثابت من القول , ليرسخ يقيني على أننا لاندرس علماً يقدم النفس البشرية على حقيقتها ..... ؟
فلماذا ندرس علم النفس ؟ .. أليس لمعرفة السلوك لدى الكائنات الحية و خاصة السلوك البشري , و بالطرق التي تجعل هذا السلوك واضحاً و مفهوماً ...
لذلك نشأت مدارس و نظريات و علوم النفس , و هذه الأخيرة جاءت نتيجة لإمعان الفكر و تكوين التفسيرات حول القضايا و المشاكل المتعلقة بالإنسان , من حيث هو وجدان و إحساس و شعور وسلوك لذلك يمكننا القول بان علوم النفس تقوم على أساس دراستها لقضيتين كبيرتين هما :-
1/ دراسة السلوك و التصرف و تقديم التفسيرات لمعنى و مغزى هذه التصرفات .
2/ الإجابة عن ماهية القوة الدافعة للتصرف بهذا النحو و الغاية من وراء ذلك معرفة و وصف الحالة السوية للإنسان و مقارنتها بغيرها من الحالات لمعرفة أسباب الانحراف آو معالجة ذلك الخلل .
لذا لم يكن البحث عن ذات و طبيعة النفس البشرية , و من ثم تحديد المفاهيم التي اختلطت بهذا المصطلح و أيجاد المغالطات بين هذه المصطلحات , و مع ان (( علم النفس المرضي هو دراسة كل ما يفسر و يوضح الاضطراب الذي ينتاب النشاط العقلي و السلوك الإنساني في حالات المرض و تفسير الشذوذ النفسي و تشمل كل نواحي الفاعليات الدماغية او الملكات العقلية من أدراك و إحساس و تفكير و أوهام و هلوسات و ذاكرة و سلوك ..... الخ )1 فأن علم النفس الذي يزخر بالنظريات و المدارس يثبت فشله المرة تلو المرة في أيجاد طريق مضيء و رسم نقاط محددة و واضحة المعالم لدراسة النفس البشرية , فقد اختلط الآمر في هذه العلوم و النظريات , و لم تعد قادرة على أيجاد التفسيرات الشافية للظواهر التي سميت بارسيكولوجية .
و أننا من تفحصنا للعديد من النظريات في علوم النفس اكتشفنا تشابه بعضها و تباين بعضها و اغلبها و ان كان مختلف الأصول و يسير نحو غاية واحدة هي توقفه عن دراسة النفس بالشكل و الأسلوب الذي يوضحها و يبينها بحيث تصبح فرضيات النظرية و احتمالاتها وقائع محددة مفيدة في التفسير و العلاج .
و لعل أهم النقاط التي نوجهها لعلم النفس انه علم غربي المنشأ و المولد فهو مرتبط بالفكر المسيحي الغربي , و الذي تبلورت اغلب نظرياته في المرحلة التي سميت بمرحلة ثورة العقل على الكنيسة , و شجب المفكرين لسلطانها , مما يعني التمرد المطلق على كافة القيم المتعلقة بوجود الله عز و جل و الذي يبرر تحت حجة الحيدة و الموضوعية عدم قدرة المفكرين الغربيين على أيجاد الترابط بين علم النفس و خالقها و هم بالتالي قادرين على نفي العديد من العوامل التي تسهم في تشكيل النفس البشرية.
و أننا نقدم أفكارنا من خلال دراستنا هذه المبنية على التحليل و استقراء الظواهر النفسية و الجسدية و المتوفر من الدراسات آلتي لها موثوقية تاريخية في هذا المجال و يمكننا بآذن الله استخلاص نتائج تؤدي إلى بناء علم جديد يبطل الموجود من نظريات مؤسسة , حيث أنها مشبوهة آو أنتجها فكر غربي مسيحي يفترض نظرياته تأسيساً على ثقافته المشوهة آو المشبوهة .
و نعتقد أن هذه الدراسة ستقدم العديد من التفسيرات التي تتوافق مع ما يرتضيه العقل و المنطق , بل و تقدم تفسيرات لما عجزت عنه النظريات الراسخة في علم النفس حالياً إذ لا يزال مجال البحث فيها قاصر عن التفسير و يكتفي بالملاحظة فقط , و في هذه الحالة ليس هناك شفاء من داء السؤال , ما لم تعرف النفس على حقيقتها . حينذاك نستطيع الإجابة عن التساؤلات التي عجز عنها العقل البشري , و تقديم تقنية علمية يستفاد منها في التعامل مع طبيعة النفس البشرية .
ومن خلال دراستنا هذه في مجال النفس البشرية , طرحنا السؤال آلاتي على الأخ الأستاذ و الشيخ عطية صقر مفتي بشبكة إسلام اون لاين , و ذلك من خلال موقع الشبكة على الانترنيت بتاريخ 21/12/1421 و كان نص السؤال (( بسم الله الرحمن الرحيم , متى تدخل الروح ألي الجسد و إيضاح الدليل , و متى تدخل النفس إلى الجسد و إيضاح الدليل على ذلك , و ما هي العلاقة بين النفس و الروح ....؟ و كان جوابه بتاريخ 11/3/2001ف علي النحو التالي ((بسم الله الرحمن الرحيم , و الصلاة و السلام على رسول الله , و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته و بعد تدخل الروح الجسم بعد مائة و عشرون يوما من بداية الحمل , كما جاء في الحديث الصحيح ( .. أن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة , ثم يكون علقة مثل ذلك , ثم يكون مضغة مثل ذلك , ثم يأتيه الملك فينفخ فيه الروح .. ) الحديث , و إذا كانت النفس هي الروح فلا أشكال , و إذا كانت شيئاً أخر فالله اعلم بآمر دخولها الجسم , حيث لم يرد دليل على ذلك تقوم به حجة, و لذلك اختلف العلماء في تعيين حقيقة النفس و الروح و العلاقة بينهما , و الأفضل تفويض الأمر في ذلك لله ...... )) , و نستنتج من إجابة الشيخ عطية صقر الحقائق التالية :-
1/ أن الروح تدخل جسد الجنين و بنص الحديث الصحيح بعد مائة و عشرين يوم من بداية تخلقه .
2/ أن هناك اختلاف بين العلماء على العلاقة و الفارق , بين الروح و النفس .
3/ أما علماء العصر الحديث فانهم يفوضون الآمر لله عز وجل و عليه فأننا نرى بان هناك فارق بين المسميين , و لكل منهما دلالة على شئ مخالف للآخر .ونستشهد على ذلك بآلاتي ذكره .
1/في الخطاب القرآني ليس هناك خطاب موجه من المولى عز و جل للروح , بينما يوجد مخاطبة للنفس البشرية , و منها قوله تعالى *يا ايتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربك راضية مرضية
/2وليس هناك ما يفيد ان الروح تذوق الموت و يقول تعالى * كل نفس ذائقة الموت و انما توفون اجوركم يوم القيمة فمن زحزح عن النار و ادخل الجنة فقد فاز و ما الحيوة الدنيا الا متاع الغرور *
3 / أوقف آمر البحث عن الروح , لقوله تعالى *و يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي و ما اوتيتم من العلم الا قليلا *
4 , بينما فتح باب البحث عن النفس و في النفس , لقوله تعالى * و في انفسكم افلا تنظرون*
4/ و قد و ردت لفظة الروح في آيات الذكر الحكيم , عدد أربعة و عشرين مرة , و وردت لفظة النفس , عدد مأتي و ثمانية و تسعون مرة .
5/ هناك اختلاف في وصف الخلق و تركيب عناصر الإنسان بين الروح و النفس , حيث قال تعالى * ثم سوئه و نفخ فيه من روحه و جعل لكم السمع و الابصر و الافئدة قليلا ما تشكرون *
6, بينما ذكر في خلق النفس , قوله تعالى *و نفس و ما سواها * فالهمها فجورها و تقواها* , و هناك فرق بين النفخ و التسوية .
6/ دخول الروح , و حسب نصوص الأحاديث الصحيحة في هذا الشان بأنها تدخل في الشهر الرابع من الحمل بينما سوف نجد دخول النفس و بالدلائل القاطعة على انه يكون دخولها الجسد عند لحظة الميلاد
7/ ان الروح تقبض بواسطة الملك الموكل بذلك عند وفاة النفس , وموت الجسد , (( و ذلك حسب النصوص الصحيحة الــــــواردة في هذا الشأن )) , بينما النفس تتوفى و لا تقبض , و تكون رهينة للقبر , لتنال العذاب او الثواب داخل القبر , حتى ساعة حساب العالمين .
8/ لا يوجد ما يدل على ان الروح تنال العذاب , بينما العذاب للنفس , و نفترض ان الروح التي هي نفخة من المولى عز و جل لا مجال لتعذيبها فهي منه و ستعود أليه .
9/يورد الذكر الحكيم حقيقة نفخ الروح بالنسبة للإنسان , و لا يوجد ما يفيد في القران او الأثر ان هناك كائنات حية أخرى تنفخ فيها الروح
10/ هناك من العلماء من اتفق مع هذه الطريقة التحليلية فقالت طائفة (( و هم آهل الأثر ان الروح غير النفس , و النفس غير الروح , و قوام النفس بالروح , والنفس صورة العبد و الهوى و الشهوة و البلاء معجون فيها و لا عدو أعدي لأبن آدم من نفسه فالنفس لا تريد آلا الدنيا و لا تحب آلا إياها و الروح تدعو آلي الآخرة و تؤثرها , و جعل الهوى تبعاً للنفس و الشيطان نتبع النفس و الهوى و الملك مع العقل مع الروح و الله تعالى يمدهما بإلهامه و توفيقه )) 8
11/ و يذكر عن جعفر بن حرب قوله (( النفس عرض من اعرض يوجد في هذا الجسم و هو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة و السلامة و ما شبههما و أنها غير موصولة بشيء من صفات الجواهر و الأجسام ))
12/ كما ان لفظة الروح (( لا تطلق على البدن لا بانفراده و لا مع النفس , و تطلق لفظة الروح على القران الذي اوحاه الله تعالى إلى رسوله)) قال تعالى *و كذلك اوحينا اليك روحاً من امرنا ما كنت تدري ما الكتب و لا الايمن و لكن جعلنه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الى صراط مستقيم * و على الوحي الذي يوحيه ألي أنبيائه و رسله , بينما لا تطلق لفظة نفس على ذلك .
13/ و من خلال قراءة النصوص الدالة على الروح و النفس , نستنتج بان الروح موضوع واحد لا يتغير , بينما للنفس صور و أشكال عدة , منها النفس المطمئنة, و النفس اللوامة , و النفس الأمارة و غيرها , كما أننا لا نستطيع قبول منطق تلفيقي يحدد بأن (( الفرق بين النفس و الروح فرق بالصفات لا فرق بالذات )) بل نؤكد على ضرورة تحديد المساحة التي لها قابلية البحث و التمحيص من تلك الأخرى التي لا طائل من وراء البحث فيها او ما ورائها .
14/ لا يحسن في اللغة العربية استعمال لفظة (( روح )) بدلاً من لفظة (( نفس )) و من ذلك قوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام * و اذ قال الله يعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس أتخذوني و امي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى ان اقول ما ليس لي بحق ان قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي و لا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوم * و لو صح استعمال كلا اللفظين كل منهما مكان الأخر لصح ان يقول عيسى عليه السلام تعلم ما في روحي و لا اعلم ما في روحك , باعتبار ان اللفظين يؤديان معنى واحد .
15 / ان الشهوة و اللهو و المتع و الملذات , أمور ذات علاقة مباشرة بالنفس البشرية , و من الدلائل على ذلك قوله تعالى* نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الاخرة و لكم فيها ما تشتهي انفسكم و لكم فيها ما تدعون * كذلك قوله تعالى * ان هي الا اسماء سميتموها انتم و اباؤكم ما انزل الله بها من سلطان ان يتبعون الا الظن و ما تهوى الانفس و لقد جاءهم من رهم الهدى *بينما لم يرد في الذكر الحكيم ما يفيدنا بان للروح علاقة بالهوى و الشهوات . و عليه و من خــلال ما ذكــــــــرناه سابقا ,
نفيــــــــد بان هنـاك فرقاً , بين الــــــروح و النـفــــــــس ً , و على الجانب الأخر نرى ان هناك توضيحات متصلة بهذه المسألة , و هي ان عدم الفصل بين مسالة الروح و موضوع النفس , يوقع المفكرين في محظور , بين رغبتهم الأكيدة في استكشاف كنه الظواهر التي لازالت تحير ذهن الإنسان , و بين الأمر القطعي بعدم بحث مسألة الروح و ذلك قوله تعالى*و يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي و ما اوتيتم من العلم الا قليلا *
فجاء في كتاب (( مفصل الإنسان روح لا جسد )) للدكتور رؤوف عبيد (( و حتى أولئك الذين يتذرعون بالآية الكريمة (( و يسألونك عن الروح ...... يخونهم التوفيق , لأن كل شيء في الوجود من أمر الله تعالى , فلا يمكن ان يمتنع البحث في كل شيء لأنه من أمر الله , ثم ان واحداً من الباحثين الروحيين لم يزعم ان الروح تأتمر بأمره , بل الكل على اتفاق في ان الروح تأتمر بأمر الله وحده , و الظواهر الروحية التي خضعت للتحقيق ظواهر تلقائية Spontaneous , و لم يزعم أي إنسان ان له سلطاناً عليها من قبيل سلطان العلم على المادة او الطاقة مثلاً )) و بالضبط يمكن الرد بان الظواهر طالما هي تلقائية فلا ضرورة لدراستها بيد ان التلقائية تنفي قدرة الإثبات فلا ضرورة لبحث مسالة الروح أساسا , بالإضافة ألي ان ما يورده الرأي السابق ما هو ألا قول توفيقي بين رغبة البحث المشروعة , و موضوع البحث الغير المشروح , و نقول ان الله عز و جل لم يطلب من الإنسان بحث مسالة الروح و لان الروح من أمره , و لان لا فائدة من بحثها كمسالة علمية , إذ لا علاقة بين الروح و بين أيا من تفاصيل حياة الإنسان كما سنوضح لاحقاً .
و يقيناً و عمـــــــلاً بما امرنا به الله عز و جل عن وجوب البحث عن النفس البشـرية , حيث قال تعالى * و انفسكم افلا تبصرون * ونرى في هذا الحث الإلهي , طريقاً نحو معرفة حقيقية , بحقيقة النفس البشرية , و ليتسنى لنا من خلال دراسة خصائصها , و طرق التعامل معها في الأطر السلوكية و الصحية , اكتشاف جوانب من عظمة الله عز و جل و إبداعه , في خلقه للمركب الإنساني .
د. حسن علي عبد الحميد